نور من نهج البلاغة    26
 

عن امير المؤمنين ع قال

عِبَادَ اللهِ، إِنَّ تَقْوَى اللهِ حَمَتْ أوْلِيَاءَ اللهِ مَحَارِمَهُ (اي منعتهم من ارتكاب الحرام وهو المعنى الاساسي للتقوى)،

وَأَلْزَمَتْ قُلُوبَهُمْ مَخَافَتَهُ (اي ان التقوى او الامتناع عن الحرام انما تكون مرتبطة مع خوف الله، فالله سبحانه حاضر في قلوب المتقين)،

حَتَّى أَسهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ، وَأَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ (ومن علامات خوف الله هو التعرض للصلاة والدعاء في الليالي، والصوم في شدة النهار طلبا لمراضيه، {الهَوَاجر: جمع هاجرة، شدة حرّ النهار})،

فَأَخَذُوا الرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ وَالرِّيَّ بِالظَّمَإِ (فنالوا راحة الاخرة وسعادتها بالتعب في الدنيا، وارواهم الله مما اعد لهم في الاخرة)،

وَاسْتَقْرَبُوا الاْجَلَ فَبَادَرُوا الْعَمَلَ (فان من يتوقع قرب الموت ومغادرة الدنيا يبادر الى الاعمال التي ينال بها امن الاخرة)،

وَكَذَّبُوا الاْمَلَ فَلاَحَظُوا الاْجَلَ (وانما ينال المرء توقع اقتراب الاجل عندما يبعد عن نفسه الآمال الكاذبة في دوام العمر وتحقيق الآمال الدنيوية).

ثُمَّ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ فَنَاء (اي لا يدوم فيها شيء)، وَعَنَاء (اي دار تعب ومكابدة)، وَغِيَر (اي تتبدل فيها الاشياء ولا تبقى على حال واحد)، وَعِبَر (اي يستفاد من ماضيها عبرة لحاضرها فلا يقع المعتبر فيما وقع فيها من كان قبله، {ثم يشرح امير المؤمنين ع هذه الكلمات القليلة التي وصف فيها الدنيا بالقول: الدُّنْيَا دَارُ فَنَاء، وَعَنَاء، وَغِيَر، وَعِبَر فيقول:}،

 

فَمِنَ الْفَنَاءِ (وهو شرح لما تقدم من ان الدنيا دار لا يدوم فيها شيئ)

أَنَّ الدَّهْرَ مُوتِرٌ قَوْسَهُ (وهو تشبيه لحال الدهر كمن أوْتَرَ قوسَهُ ليرمي بها المقابل كناية عن حصول الاحداث مع مرور الايام)،

لاَ تخطئ سِهَامُهُ، وَلاَ تُؤْسَى (اي لا تداوى) جِرَاحُهُ (فهو سهم لا يخطئ من توجّه اليه)،

يَرْمِي الْحَيَّ بِالْمَوْتِ (فاذا بالحي الذي لا يشتكي من شيء يغادر الدنيا من دون اعلام مسبق)،

وَالصَّحِيحَ بِالسَّقَمِ (واذا بالمعافى الذي لا يشكو من شيء يتفاجأ بما يصيبه من مرض قد يترك اثره الدائم عليه)

وَالنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ (واذا بالسليم من البلايا واثارها يصاب بالتلف او العطب الذي يشله ويفقده حالته الاولى)،

آكِلٌ لاَ يَشْبَعُ وَشَارِبٌ لاَ يَنْقَعُ (وهو تشبيه للدهر وكأنه لا يشبع مما يأكله من مصائب الناس ولا يرتوي من العطش بالماء الذي يشربه من الامهم اي دوام المصائب للناس في الدنيا).

 

وَمِنَ الْعَنَاءِ (وهو شرح لما تقدم من ان الدنيا دار عناء او تعب)،

أَنَّ الْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لاَ يَأْكُلُ، وَيَبْني مَا لاَ يَسْكُنُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اللهِ، لاَ مَالاً حَمَلَ، وَلاَ بِنَاءً نَقَلَ (اي ان جهده الدنيوي في الدنيا لتحصيل المال الذي يحقق به اهدافه الدنيوية قد ذهب سدى، حيث يفاجئه الموت فيغادر الدنيا تاركا المال والمسكن وبضاعة الدنيا في الدنيا ولم يستفد منها للآخرة).

 

وَمِنْ غِيَرِهَا (اي تبدل اطوار الدنيا وتغير حالاتها)

أَنَّكَ تَرَى الْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً (اي ان الذي كان في حال سيئة يترحم عليه الناس لما اصابه من مصيبة فاذا به يتغير حاله ويغبطه الناس بما ناله من حسن الحال، كانتقاله من السجن مثلا الى الحكم، او من الغنى الى الثروة كالفقير الذي يرث مالا فيغير وضعه وشأنه الاقتصادي والاجتماعي)،

والْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً (اي من كان في حال حسن يغبطه عليه الاخرون يصبح في حال سيئة يرحمه الاخرون لما اصابه من مصائب الدنيا كمن يتبدل مكانه فينتقل من الحكم الى السجن او من الغنى الى الفقر المدقع)،

لَيْسَ ذلِكَ إِلاَّ نَعِيماً زَلَّ (اي ان ما اصابه انما كان بسب نعيما انتهى)، وَبُؤْساً نَزَلَ.

 

وَمِنْ عِبَرِهَا (اي العبر التي ينالها من يتأمل في الدنيا)،

أَنَّ المَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ (اي في الوقت الذي تهيأت الاسباب لنيل ما يريده الانسان فاذا به يرحل عن الدنيا بمفاجأة الموت له، كمثل تهيأ العريس او العروس ليلة زفافهما لتحقيق احلامهما فاذا بواقعة تنهي حياتها كانفجار ارهابي يقلب العرس الى مأتم)،

 فلا أَمَلٌ يُدْرَكُ، وَلاَ مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ (فلا حقق الانسان امله الذي كان يسعى اليه قبل موته، ولا هو ترك ما يؤمل نيل جزاءه في الاخرة)

فَسُبْحَانَ اللهِ، مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا (اي ما اقل اوقات السرور في الدنيا)،

وَأَظْمَأَ رِيَّهَا (وما اقل ما ترويه من عطشها وهو ما يعني دوام العطش الى الاماني فيها)،

وَأَضْحَى فَيْئَهَا (وأقل الفترات التي ينال بها الفيء او الظل الذي يرتاح به من حارة الشمس الحارقة)،

لاَ جَاء يُرَدُّ (فلا من حل به الموت يعود للدنيا)،

وَلاَ مَاض يَرْتَدُّ (ولا يعود الماضي الى الحاضر).

الخطبة ١١٣ نهج البلاغة

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com