نور من نهج البلاغة   23
 

عن امير المؤمنين ع قال في وصف الدنيا:

دَارٌ بِالْبَلاَءِ مَحْفُوفَةٌ (اي ان البلاء او الاختبار الالهي يحف امور الدنيا او يحيطها من كل جانب ففي كل قول او عمل او فعل مع الذات او مع الاخرين يوجد اختبار الهي لمعرفة مدى التطابق بينه وبين امر الله ليكون الجزاء بحسبه في يوم القيامة فالإنسان في الدنيا لم يترك سدا ليفعل ما يشاء فيها ولذا ارسل الله الرسل وبعث كتبه لإقامة الحجة على العباد)،

وَبِالْغَدْرِ مَعْرُوفَةٌ (اي ان من طبيعة الدنيا انها لا تدوم على حال واحد فهي تتقلب من حال لأخر مرة في عافية واخرى في المرض، ويوم في سلامة واطمئنان واخر في خوف وقلق ورعب، ومرة يجتمع فيها شمل الاحبة في اجواء الود والمحبة واخرى في فراقهم وبعدهم وتغير احوالهم، تارة في الغنى واخرى في الفقر والحاجة، فهكذا هو شان الدنيا تتقلب فيها الموازين من دون ارادة الانسان ليكشف فيها الانسان عن مدى طاعته لربه ورضاه فيما قدّر له)،

لاَ تَدُومُ أَحْوَالُهَا (فلا يدوم فيها شباب ولا قوة ولا قدرة فهي في هبوط مستمر ذاتا فلا تتيح للإنسان الاستفادة من ثروته او عافيته حيث يفقد الانسان القدرة مع تقدم العمر)،

وَلاَ يَسْلَمُ نُزَّالُهَا (اي من سكن فيها وقد استعمل  كلمة نزّالها ليبين ان البقاء في الدنيا هو فترة قصيرة كما ينزل الانسان خلال سفره في مكان ما ثم يرحل عنه سريعا، فالدنيا مهما طال العمر فيها فهو قصير جدا بالنسبة للحياة الاخرى فما قيمة بضعة عقود في الدنيا بالنسبة لعمر الاخرة)،


أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ (فالإنسان يمر في الدنيا بأحوال مختلفة بحسب الطبيعة التي خلقه الله عليها منذ كان رضيعا حتى يكبر ويتكلف اضافة الى التغيرات الخارجية التي تخرج عن ارادته )،

وَتَارَاتٌ مُتَصَرِّفَةٌ (اي حالات متنقلة ومتحولة فهو يفرح تارة ويحزن اخرى ويجوع ويعطش ويشبع ويرتوي، ويستيقظ احيانا وينام اخرى وهكذا كل حالات الحياة في شد وجذب ونقل وانتقال)،

الْعَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ (لتغير حالاتها وقصر مدتها)،

وَالاَمَانُ مِنْهَا مَعْدُومٌ (فلا يوجد فيها امان وضمان لأي شيء فيها)،

وَإِنَّمَا أَهْلُهَا فِيهَا أَغْرَاضٌ مُسْتهْدَفَة (فأهل الدنيا فيها كأنهم نصب مهيأة للرمي (كما يرمي الانسان على نصب هيئها لنفسه لتحسين رمايته) الا ان رمي الدهر والايام يفرق عن رمي اللعب واللهو)،

تَرْمِيهِمْ بِسِهَامِهَا (التي لا تخطئ من اصابته وتترك اثرها فيه)،

وَتُفْنِيهِمْ بِحِمَامِهَا (اي بوقوع الموت فيهم واحدا بعد اخر).

وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّكُم وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ هذِهِ الدُّنْيَا (اي بأي حال كنتم)

عَلَى سَبِيلِ مَنْ قَدْ مَضَى قَبْلَكُمْ (اي عاقبتكم الموت والرحيل عن الدنيا للآخرة مع انهم )،

مِمَّنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَاراً، وَأَعْمَرَ دِيَاراً، وَأَبْعَدَ آثَاراً (اي ان بقاء اثارهم التي تركوها في الدنيا بعد موتهم كانت اكثر من اثاركم)،

أَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةً (اي بعد نزول الموت بهم لم تسمع اصواتهم)،

وَرِيَاحُهُمْ رَاكِدَةً (اي ساكنة بمعنى بطلان الحركة وانقطاع العمل فالميت قد زالت فرصته للعمل للآخرة)،

وَأَجْسَادُهُمْ بِالِيَةً (اي قد تآكلت وتلاشت ابدانهم)،

وَدِيَارُهُمْ خَالِيَةً (وأماكنهم في الدنيا التي اعتادوا التواجد بها قد خلت منهم بعد انتقالهم للقبور)،

وَآثَارُهُمْ عَافِيَةً (اي مندرسة قد عفا عليها الزمن بعد ان كانت في زمانهم من معالم القوة والقدرة)،

فَاسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِ الْمُشَيَّدَةِ (اي القصور الفخمة الكبيرة)،

وَالـنَّمارِقِ الْمُمَهَّدَةِ (اي الوسائد المفروشة بعناية وترتيب خاص يلائم رغبات الجالسين عليها)،

الصُّخُورَ وَالاَحْجَارَ الْمُسَنَّدَةَ (اي استبدلوا القصور والنمارق ومظاهر الترف الدنيوي بالتراب والاحجار المسندة لتكون علائم على اماكن دفنهم)،

وَالْقُبُورَ اللاَّطِئَةَ الْمُلْحَدَةَ (واستبدلوا البيوت العالية بالقبور اللاَّطِئَةَ اي الملتصقة بالأرض والْمُلْحَدَةَ وهي القبور التي جعل فيها لحدا وهو شق في وسط القبر او جانبه يوضع في الميت)،

الَّتي قَدْ بُنِيَ عَلَى الْخَرَابِ فِنَاؤُهَا (فهذه القبور وما حولها من فِناء وهو ساحة الدار والمراد به ما اتسع حول القبر جميعها في معرض الفناء)،

وَشُيِّدَ بِالتُّرَابِ بِنَاؤُهَا، فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ (اي ان القبور قريبة من بعضها في المكان ولكنها بعيدة عن جيرانها في الحال)،

وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ (فلا يعرف الساكن في القبر جيرانه ومن حوله)،

بَيْنَ أَهْلِ مَحَلَّة مُوحِشِينَ، وَأهْلِ فَرَاغ مُتَشَاغِلِينَ (فلكل من الاموات شانه الخاص به وهو في عالم البرزخ)،

لاَ يَسْتَأْنِسُونَ بِالاَوْطَانِ، وَلاَ يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ الْجِيْرَانِ، عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الْجِوَارِ، وَدُنُوِّ الدَّارِ، وَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَزَاوُرٌ، وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ البِلَى وَالثَّرَى (الكلكل هو صدر البعير والمراد به صورة الطاحونة الكبيرة التي تطحن الشيء حتى تجعله كالتراب).

وَكَأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إِلَى مَا صَاروا إِلَيْهِ (فما هي الا فترة قصيرة من العمر حتى تكونون امثالهم)،

وَارْتَهَنَكُمْ ذلِكَ الْمَضْجَعُ وَضَمَّكُمْ ذلِكَ الْمُسْتَوْدَعُ، (اي اصبحتم في مستودع القبر مرهونين فيه الى يوم القيامة)،

فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ تَنَاهَتْ بِكُمُ الاُمُورُ (اي وصلت الامور الى غايتها بمعنى انتهاء مدة البرزخ وقامت القيامة للحساب والجزاء)،

وبُعْثِرَتِ الْقُبُورُ؟! (اي قلب ثراها واخرج موتاها، (هُنَالِكَ تَبْلُو (اي تخبر) كُلُّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كَانُوا يفْتَرُون))

نهج البلاغة خطبة  ٢٢٥

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com