نور من نهج البلاغة   22
 

عن امير المؤمنين ع في بيان قيمة الانسان وصفة خَلقه وتمرده على خالقه قال:

أَمْ هذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الاْرْحَامِ، وَشُغُفِ الاْسْتَارِ (فبداية نشأة الانسان انه كان رحم امه ومن خلال وجود المشيمة بينه وبين الأم يصل اليه ما يحتاجه للحياة ليتكامل نموه قبل خروجه للدنيا، وهو ما يشير اليه امير المؤمنين من شغف الاستار اي الحجب والغلاف الذي يحيط به وهو في الرحم مع الْمَشِيمَةِ)،

نُطْفَةً دِفاقاً، وَعَلَقَةً مِحَاقاً (فأول خروجه من الرجل كان على شكل نطفة تمتلك القوة للاندفاق الى رحم المرأة، ثم تعلقه بالرحم على حالة علقة ليس لها شكل او صورة ومن ثم خلق العظام واللحم، ثم يتدرج في مراحل الخلق الالهي كما في قوله تعالى: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا، فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا، ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) فالإنشاء الاولي هو التواجد في الرحم)،

وَجَنِيناً وَرَاضِعاً (ثم حين يصبح جنينا في بطن امه او على صورة الطفل الكامل في نموه يخرجه الله الى الدنيا بإرادته وسننه ثم يلهمه الرضاعة من ثدي امه وهو لا يعلم شيئا عن حاجاته ولكنه الله يلهمه التقام ثدي امه ليمص الحليب منه)،

وَوَلِيداً وَيَافِعاً (ثم يمن الله بمقومات الحياة من الهواء والغذاء اللازم لعمره بعد خروجه وهو ينمو في مراحله المختلفة التي يتكامل فيه تدريجيا في البدن والعقل والفهم حتى يبلغ مرحلة الرشد فصبح غلاما وهو من راهق العشرين سنة من العمر)،

ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً، وَلِساناً لاَفِظاً، وَبَصَراً لاَحِظاً، لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً، وَيُقَصِّرَ مُزْدَجِراً (وهو تبيان لمراحل النمو الانساني حيث ينعم الله عليه بالاستفادة من العقل والجوارح من السمع والبصر واللسان والايدي والارجل التي يستطيع بها التميز بين الامور وانتخاب الطريق الصالح والانزجار عن الطريق الطالح)،

 حتى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ، وَاسْتَوَى مِثالُهُ (أي بلغت قامته حدّ ما قُدّرَ لها من النمو، وتكامل في شخصيته الانسانية)،

نَفَرَ مُسْتَكْبِراً (اي غرّه الشيطان فاستكبر على الذي خلقه)،

وَخَبَطَ سَادِراً (اي تصرف من غير فكر بنتائج الامور فلا يهتم ولا يبالي بما صنع)،

مَاتِحاً فِي غَرْبِ هَوَاهُ (اي مستغرقا في الهوى، والماتح: هو الذي ينزل البئر إذا قلّ ماؤها ليملأ الدلو منه، والغَرْبُ هو الدّلْوُ العظيمة والمراد بالعبارة هو التصرف بلا حساب للنتائج في سعيه وهو غارق في الهوى)،

كَادِحاً سَعياً لِدُنْيَاهُ فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ، وَبَدَوَاتِ أَرَبِهِ (اي باذلا جهده في الدنيا فيما يحقق له من اللذات وما يبدو له من الآراء والمواقف التي يهواها)،

لاَ يَحْتَسِبُ رَزِيَّةً (فلا يجعل حسابا لمصيبة قد يقع فيها)،

وَلاَ يَخْشَعُ تَقِيَّةً (ولا يخاف من الله ان ينزل به عقابه)،

فَمَاتَ فِي فِتْنَتِهِ غَرِيراً (فاغتر وسقط في الفتنة)،

وَعَاشَ فِي هَفْوَتِهِ أسيراً (اي قضى فترة عمره وهو اسير اخطائه)،

لَمْ يُفِدْ عِوَضاً (اي لم يستفد ثوابا من اعماله)،

وَلَمْ يَقْضِ مُفْتَرَضاً (اي يؤدي ما اوجب الله عليه من الاعمال)،

دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ الْمَنِيَّةِ فِي غُبَّرِ جِمَاحِهِ (اي غشيته بصورة مفاجئة اهوال الموت وهو في حال تَعَنّته عن الحق)،

وَسَنَنِ مِرَاحِهِ (وعلى طريقته في الهوى)،

فَظَلَّ سَادِراً (اي بقي حائرا مذهولا عند اقتراب الأجل)،

وَبَاتَ سَاهِراً فِي غَمَرَاتِ الاْلاَمِ، وَطَوَارِقِ الاْوْجَاعِ والاْسْقَامِ، بَيْنَ أَخ شَقِيق، وَوَالِد شَفِيق، وَدَاعِيَة بِالْوَيْلِ جَزَعاً، وَلاَدِمَة لِلصَّدْرِ قَلَقاً (اي ضاربة على صدرها خوفا من موته من الامهات والمحبات له)،

وَالْمَرءُ فِي سَكْرَة مُلْهِية، وَغَمْرَة كَارِثَة (وهو في حال يعيش الغَمْرة وهي الشدة تحيط بالعقل والحواس، والكارثة القاطعة للآمال بحياته)،

وَأَنَّة مُوجِعَة (ويأن مما هو يتوجع منه)،

وَجَذْبَة مُكْرِبَة (أي من جذبات الانفاس عند الاحتضار)،

وَسَوْقَة مُتْعِبَة (اي سوق النفس او الاسراع في نزع الروح)،

ثُمَّ أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً (اي يائسا)، وَجُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً (اي سهل الانقياد لعدم قدرته على الممانعة بعد موته)،

ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الاْعَوادِ رَجِيعَ وَصِب (اي وضع على سدية ليحمل الى قبره وهو على حال وصب او تعب مما اصابه من نزع الروح)،

وَنِضْوَ سَقَم (وما اصابه من مرض اهزله قبل موته)،

تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوِلْدَانِ، وَحَشَدَةُ الاْخْوَانِ (اي الذين اجتمعوا لتشيعه من الاولاد والاخوان)،

إِلَى دَارِ غُرْبَتِهِ، وَمُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ (فلا زائر له بعد دفنه)،

حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ الْمُشَيِّعُ، وَرَجَعَ الْمُتَفَجِّعُ، أُقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ نَجِيّاً لِبَهْتَةِ السُّؤَالِ (اي اقعد في قبره مدهوشا لحيرة الجواب على الاسئلة حينما يسأل عن ربه ونبيه وعن اعماله التي قدمها لأخرته)،

وَعَثْرَةِ الامْتِحَانِ (ولعدم القدرة على الاجابة على اسئلة الملكين)،

وَأَعْظَمُ مَا هُنَالِكَ بَلِيَّةً نُزُلُ الْحَمِيم، وَتَصْلِيَةُ الْجَحِيمِ (اي والاعظم من البرزخ هو الإحراق في جهنم)،

وَفَوْرَاتُ السَّعِيرِ (اي حالات الفوران او شدة توقد النار)،

وَسَوْراتُ السَّعِيرِ (اي شدة التهاب النار وتوقدها)،

لاَ فَتْرَةٌ مُرِيحَةٌ (فلا يوجد فتور من العذاب ليستريح بها المعذب)،

وَلاَ دَعَةٌ مُزِيحَةٌ (ولا راحة تزيح ما اصابه من الالم)،

وَلاَ قُوَّةٌ حَاجِزَةٌ (ما نعمة من وصول النار اليه)،

وَلاَ مَوْتَةٌ نَاجِزَةٌ (اي موتة خاتمة)،

وَلاَ سِنَةٌ مُسَلِّيَةٌ بَيْنَ أَطْوَارِ الْمَوْتَاتِ وَعَذَابِ السَّاعَاتِ (والمراد بأطوار الموتات هو اشكال العذاب في جهنم فكل نَوْبة من العذاب كأنها موت لشدّتها، ولا وجد بينها ما يلهي ويبعد الاذى المتواصل في كل حين)،

إنّا للهِ وَإنّا إليهِ راجعُونَ! إِنَّا بِاللهِ عَائِذُونَ!

من خطبته عليه السلام المسماة  الغراء  رقم 83

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com