نور من نهج البلاغة   18
 

عن امير المؤمنين ع قال:

وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ، أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً (اي بلا قصد وغاية)،

وَلَمْ يُرْسِلْكُمْ هَمَلاً (اي يترككم مهملين بدون حساب)،

عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَيْكُمْ، وَأَحَصَى إِحْسَانَهُ إِلَيْكُمْ (فهو العليم والمحصي لكل شيء)،

فَاسْتَفْتِحُوهُ (اي اطلبوا من الفتح الابواب رحمته وفضله)

وَاسْتَنْجِحُوهُ (اي اسألوه النجاح في اعمالكم)،

وَاطْلُبُوا إِلَيْهِ وَاسْتَمْنِحُوهُ (اي التمسوا منه العطاء والفضل)،

فَمَا قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجَابٌ (فلم يضع بينه وبينكم حجب)،

وَلاَ أُغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ (فأبواب فضله مفتوحة لعباده)،

وَإِنْهُ لَبِكُلِّ مَكَان (فلا يخلو منه مكان في الارض ولا في السماء)،

وَفِي كُلِّ حِين وَأَوَان (ولا يخلو منه زمان او لحظة منه فوجوده قبل وبعد الزمان والمكان)،

وَمَعَ كُلِّ إِنْس وَجَانّ (فهو حاضر معهم شاهد عليهم في كل حال)،

لاَ يَثْلِمُهُ الْعَطَاءُ ( فلا ينقص خزائنه العطاء ولو اعطى جميع خلقه كل ما يريدون)،

وَلاَ يَنْقُصُهُ الْحِبَاءُ (اي العطية والمكافأة للمؤمنين والصالحين)،

وَلاَ يَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ (فلا ينفد او ينتهي ما عنده من عطاء لسائل فهو الغني الذي لا ينتهي ما عنده)،

وَلاَ يَسْتَقْصِيهِ نَائِلٌ ( فلا ينقص ما يعطي خلقه فهو على كل شيء قدير)،

وَلاَ يَلْوِيهِ (اي يميله او يشغله) شَخْصٌ عَنْ شَخْص،

وَلاَ يُلْهِيهِ صَوْتٌ عَنْ صَوْت (فهو يسمع ويعرف جميع الاصوات)،

وَلاَ تَحجُزُهُ هِبَهٌ عَنْ سَلْب، (فلا يأخذ شيء مقابل ما يعطي من فضله)

وَلاَ يَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَة (فلا يغلب عليه حال عن حال)،

وَلاَ تُوَلِّهُهُ (اي تشغله وتستولي عليه)، رَحْمَةٌ عَنْ عِقَاب،

وَلاَيُجِنُّهُ (اي يستره) الْبُطُونُ عَنِ الظُّهُورِ (فهو وان كان غير ظاهر لخلقه في شكل او جسم او هيئة اذ ليس كمثله شيء سبحانه الا ان اثار خلقه وهيمنته على الوجود واضحة ظاهرة)،

وَلاَ يَقْطَعُهُ الظُّهُورُ عَنِ الْبُطُونِ، قَرُبَ فَنأَى (فهو قريب من خلقه مع بعده عنهم في الحال والكيفية)،

وَعَلاَ فَدَنَا (وبعيد عنهم لعلو شانه ومنزلته مع قربه منهم وعلمه بكل اعمالهم وما تطويه انفسهم ونواياهم)،

وَظَهَرَ فَبَطَنَ، (فهو ظاهر في الخلق، باطن او خفي في تأثيره فيها)

وَبَطَنَ فَعَلَنَ (خفي امره معلوم فعله)،

ودَانَ (اي حاسب عباده لجزائهم بأعمالهم) وَلَمْ يُدَنْ (او يحاسبه احد)،

لَمْ يَذْرَاَ (اي يخلق) الْخَلْقَ بِاحْتِيَال (اي للوصول الى حاجة يحتاجها)،

وَلاَ اسْتَعَانَ بِهِمْ لِكَلاَل (اي لتعب وضعف في القدرة).

أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ، بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّهَا الزِّمَامُ (اي المقود للأمور التي تنال بها الجنة) وَالْقِوَامُ (اي ما تتقوم به الامور)،

فَتَمَسَّكُوا بِوَثَائِقِهَا (اي بحبالها الوثيقة)،

وَاعْتَصِمُوا بِحَقَائِقِهَا (التي اوضحها الله في كتابه)،

تَؤُلْ بِكُمْ إِلَى أَكْنَانِ الدَعَةِ وَأَوْطَانِ السَّعَةِ (اي ان التمسك بالتقوى يؤدي الى الحياة الوادعة الهنيئة والسعة في الاخرة)،

وَمَعَاقِلِ الْحِرْزِ (كما ان التقوى تمثل حصون الحفظ في الدنيا والاخرة)،

وَمَنَازِلِ الْعِزِّ في يَوْم تَشْخَصُ فِيهِ الاْبْصَارُ وَتُظْلِمُ لَهُ الاْقْطَارُ (وتنتهي بمنازل العز في يوم القيامة وهو اليوم الذي تشخص او تثبت فيه الابصار من الخوف)،

وَتُعَطَّلُ فِيهِ صُرُومُ الْعِشَارِ (اي تهمل الابل من الرعي بمعنى أن يوم القيامة هو يوم مهول تهمل فيه نفائس الاموال لاشتغال كل شخص بنجاة نفسه، {الصُرُوم ـ جمع صِرْمة بالكسر ـ: وهي قطعة من الابل فوق العشرة إلى تسعة عشر, أو فوق العشرين، والعِشار: جمع عُشَراء وهي الناقة التي مضى لحملها عشرة أشهر}،

وَيُنْفَخُ فِي الصُّورِ (اي انه اليوم المهول الذي يحدث بعد النفخة الاولى التي تموت فيها جميع الخلائق)،

فَتَزْهَقُ كُلُّ مُهْجَة، وَتَبْكَمُ كُلُّ لَهْجَة، وَتَذِلُّ الشُّمُّ الشَّوَامِخُ (اي الجبال الرفيعة المتسامية في العلو عند النفخة الثانية)،

وَالصُّمُّ الرَّوَاسِخُ (اي الجبال الراسخة في الأرض {الصُلْب المُصْمَت، الذي لا تجويف فيه، والراسخ الثابت}،

فَيَصِيرُ صَلْدُهَا (اي صلبها وهو الحجر الاملس) سَرَاباً رَقْرَقاً (اي يكون كالماء المترقرق، والسَراب: هو ما يخيله ضوء الشمس كالماء) ،

وَمَعْهَدُهَا (اي المحل الذي كان يعهد وجودها فيه) قَاعاً سَمْلَقاً (اي ارضا مستوية)،

فَلاَ شَفِيعٌ يَشَفَعُ، وَلاَ حَمِيمٌ يَنْفَعُ، وَلاَ مَعْذِرَةٌ تَدْفَعُ.

نهج البلاغة خطبة ١٩٥

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com