إستكبار إبليس   7
 

    في تتمة الحديث عن قدرة الشيطان في التأثير على الانسان فقد تبين انها محصورة بالوسوسة وليس بالإجبار القهري الذي يقود الانسان بالقوة والفرض لفعل المعصية، فالله سبحانه من حكمته انه وضع الانسان في مرمى الوسوسة الشيطانية ليختبره، ولكن لم يسلط الشيطان عليه بالقهر والاجبار والفرض، كما انه من فضله ولطفه عرف الانسان طرق الشيطان واساليبه، وارشده الى طرق النجاة منها حيث اوضح ذلك في كتابه في آيات عدة، وعبر حججه من الانبياء والاولياء المعصومين .

فعن رسول الله (ص) في تحذيره من كيد الشيطان قال:
«اِتَّخِذِ الشَّيطَانَ عَدُوَّاً، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾» (مكارم الأخلاق: ٢ / ٣٥٤).
(أي ينبغي مواصلة الحذر من الشيطان كما يحذر الإنسان من عدوه الذي يكيده ويتربص به ليقضـي عليه، إذ أن الشيطان أقسم على الانتقام من الإنسان كما في الآية الشـريفة: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الـمُخْلَصِينَ﴾، وكما في الآية الاخرى التي تحدثت عن قوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَـهُمْ فـي الأَرضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.

وعن الإمام الكاظم ع لـمّا سئل عن أوجب الأعداء مجاهدة قال:
«أَقرَبُهُمْ إِلَيكَ وَأَعدَاهُمْ لَكَ، وَمَن يُحَرِّضُ أَعدَاءَكَ عَلَيكَ، وَهُوَ إِبلِيسُ»  (تحف العقول : ص ٣٩٩).
(بمعنى أن من واجبات المؤمن هو التصدي للشيطان ومحاربته والحذر منه لأنه أشد الأعداء خطورة في قدرته ونفوذه وتأثيره على النفس وأكثرهم خفاء وتستراً في محاربة الإنسان وإغوائه، فلا ينبغي الخضوع لوسوسته أو إعطائه فرصة ليتسلط بها على النفس).

وعن الإمام الصادق ع قال:
«لَقَد نَصَبَ إِبلِيسُ حَبَائِلَهُ (اي شباكه التي يصطاد بها الانسان) فِي دَارِ الغُرُورِ، فَمَا يَقصِدُ فِيهَا إِلَّا أَولِيَاءَنَا» (تحف العقول / ٣٠١).
(أي إنّ المستهدف الأساسي في عمل الشيطان هم أهل الإيمان خاصة، فهم أهل المقاومة والجهاد الذين لا يستسلمون بسهولة للشيطان ولذا يكثف عليهم حملاته وغزواته في الليل والنهار).

عن الإمام الصادق ع قال:
«إِنَّ الشَّيَاطِينَ أَكثَرُ عَلَى المُؤمِنِينَ مِنَ الزَّنابِيرِ عَلَى اللَّحمِ» (البحار ٩ / ١٤٣)
(وهو تصوير لكثرة الشياطين التي تجتمع على الإنسان وتوسوس له بالمعصية وتشوّقه إليها، فهُم أكثر من عدد الزنابير على اللحم أو الذباب على الأوساخ حيث يسهم كلّ منهم بأسلوبه الخاص في تشجيعه وحثّه على المعصية).

عن رسول الله (ص) قال:
«لَولَا أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَحُومُونَ عَلَى قُلُوبِ بَنِي آدَم لَنَظَرُوا إِلَى المَلَكُوتِ» (أسرار الصلاة : ٣٤).
(أي لولا تأثير الشياطين على القلب وما يسببون له من الاغواء والغشاوة وبلبلة الفكر لوضحت للإنسان جميع الحقائق الدينية ولَأَبصـر كلّ ما خفي عنه من عظمة الله وآياته وتدبيره ولَأَصبح شغله الشاغل هو الطاعة والشكر والعبادة).

عن رسول الله (ص) قال:
«إِنَّ الشَّيطَانَ لَيَجرِي مِنْ ابنِ آدَمَ مَجرَى الدَّمِ فَضيِّقُوا مَجَارِيَهُ»
(مستدرك الوسائل ١٦ / ٢٢٠، وفي رواية ضيقوا مجاريه بالجوع).
(أي أن الشيطان ملازم لقلب الإنسان يحيط به كما يحيط السوار بالمعصم فهو دائم الوسوسة له في الليل والنهار، ولذا ينبغي وضع الحواجز الإيمانية أمامه لتضييق تأثيره في النفس، أو بمعنى أخر ينبغي الإكثار من المستحبات والصالحات وعدم التعرض لمواطن نفوذ الشيطان وتأثيره، أو المجالات التي تخضع لهيمنته وإغوائه من المشاهد والمواقف والأعمال المحرمة والفعاليات التي تثير في النفس الشهوة وتدفعها للاستجابة لبواعث الشـر والأذى والوسوسة الشيطانية).

وعن أمير المؤمنين ع قال:
«اِحذَرُوا عَدُوَّاً نَفَذَ فِي الصُّدُورِ خَفِيَّاً، وَنَفَثَ فِي الآذَانِ نَجِيَّاً»
(غرر الحكم / ٢٦٢٣)
(بمعنى أن عمل الشيطان هو في خفاء وبطريقة حثٍّ وتشجيع بصورة هادئة، وليس بالقهر والجبر للإنسان بممارسة المعاصي وهذا من لطف الله أنه جعل كيد الشيطان كيداً ضعيفاً مقصوراً على الوسوسة ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾، وهو ما أوضحه الله في حديثه عن الشيطان يوم القيامة ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَـمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعدَ الحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، هذا بالإضافة إلى ألطاف الله الخفية في هداية الإنسان وتسديده وإبعاده عن مواطن الشيطان ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً﴾).

وللحديث تتمة

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com