إستكبار إلشيطان    6
 

   تقدم الحديث في الحلقات السابقة عن شرح الآيات في سورة الحجر والتي تتحدث عن طلب الله من الملائكة السجود لادم، والذي تبين ان المقصود به هو السجود لله لأنه هو الامر بذلك، ولأنه يعبر عن شكر الملائكة لله لخلق هذا المخلوق المتميز بالعلم والارادة في عبادة الله وطاعته، كما تحكي الآيات عن غرور ابليس ورفضه الانصياع للأمر الالهي مما اخرجه من مكانه الذي كان يعبد الله فيه مع الملائكة، ثم تطرق الحديث الى الجن الذي كان ابليس ينتمي لهم كما في قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ، كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا)، ثم تواصل الكلام عن صفات الجن التي ذكرها الله في كتابه عنهم حتى وصل الموضوع الى صفات ابليس والتساؤل عن قدرته في الاضلال وهو ما سيتعرض له الموضوع تباعا.

    ان المتأمل في الاحاديث والآيات يجد ان الله اعطى القدرة لإبليس في الوسوسة او حديث النفس الذي يغري الانسان بفعل المعصية ولكنه لم يعط الشيطان القدرة على جبر الانسان لارتكاب المعصية، وانما الانسان بإرادته هو الذي يرتكب المعصية، ومن هنا تكون دائرة الاختبار والامتحان الالهي للإنسان، بين ان يتبع أمر الله سبحانه ليفوز بجنانه ورضوانه في الاخرة، او ان يتبع أمر الشيطان ووسوسته في اللذات العاجلة المحرّمة فيكون شريكا له في نار جهنم في الاخرة، وقد سبق ذلك من اقامة الحجة لله بإرساله كتبه ورسله وتحذيره للإنسان من اتباع الشيطان في آيات عدة منها قوله تعالى:

﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)
﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا).

كما تجلى هذا المعنى في احاديث اهل البيت في عدد من الاحاديث منها:

عن أبي عبدالله الصادق ع قال:
«مَا مِنْ قَلبٍ إِلَّا وَلَهُ أُذُنَانِ: عَلَى إِحدَاهُما مَلَكٌ مُرشِدٌ، وَعَلَى الأُخرَى شَيطانٌ مُفَتِّنٌ، هَذَا يَأمُرُهُ وَهَذَا يَزجُرُهُ، الشَّيطانُ يَأمُرُهُ بِالمَعَاصِي، وَالمَلَكُ يَزجُرُهُ عَنهَا، وَهُوَ قَولُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾» (الكافي : ٢ / ٢٦٦)
(بمعنى أن الإنسان في كلّ عملٍ يريد أن يعمله يتعرّض إلى تأثيرين من داخل النفس، تأثير إيجابي باتجاه فعل الخير والصلاح وتأثير سلبي باتجاه الضلالة والفساد وهو ما يعرف بنداء الخير أو نداء الشرّ في النفس الإنسانية).

كما ورد عن الامام الصادق ع عند هيمنة الشيطان على الانسان قال:
«إِنَّ لِلْقَلبِ أُذنَينِ، فَإِذَا هَمَّ العَبدُ بِذَنبٍ قَالَ لَهُ رُوحُ الإِيمَانِ: لَا تَفعَلْ، وَقَالَ لَهُ الشَّيطانُ: افعَلْ، وَإِذَا كَانَ عَلَى بَطنِها (أي في حالة الممارسة للمعصية كالزنا مثلاً) ،نُزِعَ مِنهُ رُوحُ الإِيمَانِ (أي تركه روح الإيمان وانسحب عنه فأصبح من نصيب الشيطان وحده ليسوقه نحو مزيد من الضلالة والإثم)»(الكافي : ٢ / ٢٦٧)

وعن الامام الصادق ع عن تأييد الملك لنداء الخير في قلب العبد قال:
«مَا مِنْ مُؤمِنٍ إِلَّا وَلِقَلبِهِ أُذُنَانِ فِي جَوفِهِ: أُذُنٌ يَنفُثُ فِيهَا الوَسوَاسُ الخَنَّاسُ، وأُذنٌ يَنفُثُ فِيهَا المَلَكُ، فَيُؤَيِّدُ اللهُ المُؤمِنَ بالمَلَكِ، فَذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾»(الكافي : ٢ / ٢٦٧).
(أي يجعل الله في قلب المؤمن الإصغاء والتأثّر لنداء الخير من حديث الملَك في نفسه فيوفّقه ذلك لاتّباع طريق الهدى والرشاد).

   وقد عبر عن الشيطان بالوسواس الخناس لأنه يوسوس في النفس ويزين لها المعصية باتباع الشهوات والاماني، كما وصف بالخناس لأنه يسكت عن الوسوسة عندما يذكر الانسان ربه ليعاود اليها مرة اخرى حينما يجد الفرصة سانحة لإيقاع الانسان في المعصية.

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com