استكبار إبليس    16
 

   تقدم الحديث عن الوسائل التي تبعد الشيطان وتضعف تأثيره في النفس ومنها كثرة ذكر الله، والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والاعتصام بالله، وعمل الصالحات، فجميع هذه الامور تضعف كيد الشيطان وتأثيره في النفس، وخاصة تلاوة المعوذتين بوعي وفهم مما يستدعي تسليط الضوء عليهما لمعرفة الفرق بين السورتين.

   سورة "الفلق" تعتبر إستعاذة من الشرور الخارجية التي تحيط بالإنسان، كالليل إذا أظلم، والقمر إذا غاب، وهذان الوقتان مظنّة لكثرة الشرور حيث يستر الظلام فاعل السوء، ومنه الذين يتعاملون مع السحر وما عُرف عن الساحرات اللاتي ينفخن في عُقد السحر التي كانت سائدة فيما مضى .

   اما سورة "الناس" فهي إستعاذة من الشرور الداخلية المؤثرة على النفس والتي تتمثل في الوسواس او عمل الشيطان القرين الذين يزين المعصية، كما تبرز في النفس الأمارة بالسوء التي تستجيب لوسوسة الشيطان الذي يخنس ويعاود الوسوسة مجددا، فالشرور الداخلية عادة تكون أشد من الخارجية التي يمكن الابتعاد عنها، اما الشرور الداخلية فإنها تبقى ملازمة للنفس لا تنفك عنها، فالشيطان يخنس او يسكت عن النزغ قليلا ولكنه يعاود الوسوسة مجددا.

   ولذا يستحب للمؤمن ان يقرأ المعوذتين استعانة بالله وخضوعا لربوبيته ليقيه الشرور الخارجية والداخلية ويصرف فكره عنها، اما اذا كان نزغ الشيطان قويا في النفس والحاحه شديدا في الوسوسة فيستحب لأهل الايمان ان يستعينوا بالله ويرددوا في انفسهم او بصوت مسموع قوله تعالى في كتابه الكريم: (وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ)

   وللإحاطة اكثر بهاتين السورتين واللتان ورد في فضلهما روايات عدة منها ما ورد عن النّبي (ص) انه قال: (اُنزلت عليَّ آيات لم ينزل مثلهنّ: المعوذتان)

  وعنه في حديث اخر انه قال لأحد أصحابه وهو يريد ان يعلمه فضل السورتين فقال: (إقرأهما كلما قمت ونمت) اي يستحب قراءة السورتين عند النوم والاستيقاظ للاستعاذة بالله من الشرور الداخلية او الخارجية)

اما تفسير سورة الفلق فهي تتضمن مخاطبة الله لنبيه بقوله:

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِن شَِرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِن شَرِّ غَاسِق إِذَا وَقَبَ

(٣) وَمِن شَرِّ النَّفَّـاثَاتِ فِى الْعُقَدِ (٤) وَمِن شَرِّ حَاسِد إِذَا حَسَدَ (٥)﴾

فكلمة "الفلق": مأخوذ من فَلَقَ أي شقَّ وفَصَل، وقد سُمي طلوع الصبح بالفلق لأنّ ضوء الصبح يشق ظلمة الليل، الا ان مفهوم الفلق يعني الخروج من حالة سابقة الى عالم جديد فهو يشمل ولادة كلّ الموجودات الحيّة، بشرية كانت أم حيوانية أم نباتية اذ ان ولادة هذه الموجودات تقترن بفلق حبّتها أو بيضتها لأنّها تشكل طفرة في مراحل وجودها، وانتقالاً من عالم إلى عالم آخر، كما في قوله تعالى:(إنّ الله فالق الحبّ والنوى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) فالفلق بهذا المفهوم يشمل كلّ خلق الله، لأنّ الخلق هو شقّ ستار العدم ليسطع نور الوجود.

   فهذه التعابير التي وردت في اية الفلق وهي:(طلوع الصبح - وولادة الموجودات الحيّة - وخلق كلّ موجود في الكون) تدل على عظمة الخالق والبارئ والمدبّر، وعلى الاستعانة به في دفع شر ما خلق،

   ولعل تصور معنى الآية (من شر ما خلق) تثير في الفكر التباسا مفاده كيف يكون في خلق الله شرّ وهو القائل:(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) ؟

   والجواب على ذلك ان الشر يحدث عندما يكون هناك انحراف عن طبيعة الخلقة الالهية المستقيمة، فالفطرة الانسانية مثلا عند اول خلق الانسان تكون معتدلة لا انحراف فيها الا ان التربية والتعليم هي التي تغير مفاهيم الانسان وتصرفاته، وهو ما اوضحه الله في كتابه بقوله:(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا، فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ، ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)،

   اما ما يبدو للإنسان من امور يحسبها شرا كفعل الحوادث والكوارث التي يتعرض لها في الحياة، فهي من جهة ترتبط بأعماله وتصرفاته، ومن جهة اخرى ترتبط بالأقدار الالهية التي تكون دائرتها واثارها اوسع من دائرة الانسان ذاته كما في قوله تعالى:(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، حيث تتسع دائرة الحساب الدنيوي لتتناول المجتمع باسره فتكون دائرة المقادير الالهية هي اكبر من دائرة الفرد،

   اما في حساب الاخرة فلكل فرد حسابه الخاص كما في قوله تعالى:(وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ {اي تكون اعماله واقواله وتصرفاته كالقلادة في عنقه} وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)

   ومن الجدير بالذكر أنّ بعض الأُمور التي يحسبها الانسان شرّاً في ظاهرها الدنيوي انما تنطوي في باطنها على خير كثير، فالمشكلات والحوادث والبلايا التي يتعرض لها الانسان حينما يتأمل في نتائجها عبر نظرة طولية بعد ان يمر عليها الزمن، يجد ان الخير فيما اختاره الله، علاوة على انها تنفض عن المؤمن غبار الغفلة وتدفعه إلى التوجه نحو الله في تلك الفترة التي بدت له القضايا وكأنها محنة وشدة عصيبة، فالمقصود من الآية هو الاستعاذة من شرّ ما خلق وهي الموجودات الشريرة تطفئ نور السلامة والهداية.

اما كلمة "غاسق" في قوله تعالى:(وَمِن شَرِّ غَاسِق إِذَا وَقَبَ ) فهي من كلمة الغسق، وهو شدّة ظلمة الليل في منتصفه.

حيث تتضمن الآية الاستعاذة بالله من ظلمة الليل الشديدة اذا دخلت او استولى ظلام الليل والذي يتضمن وجود الاشرار الذين يستترون بظلام الليل من الانسان او الحيوان امثال الزواحف اللاسعة.

وكلمة "وقب": مستمدة من الحفرة، ثمّ استعمل الفعل "وَقَبَ" للدخول في الحفرة وكأن هذه الموجودات الشريرة المضرة تستغل ظلام الليل، وقد يكون الفعل يعني نَفَذَ وتوغّل فظلام الليل يستتر به الاشرار لتنفيذ ماربهم.

اما قوله تعالى: (من شرّ النفاثات في العقد)، النفاثات: من النفث وهو البصق القليل ولما كان البصق مقروناً بالنفخ، فاستعملت بمعنى النفخ او التأثير التحريك الداخلي الضعيف لمشاعر الانسان في الوسوسة الشيطانية مقابل النفخ وهو الدفع والتحريك القوي

وقال بعض المفسرين ان النفاثات هن النسوة اللاتي كن يقرأن وينفخن في العقد، لاستعمال السحر في الازمان القديمة، الا ان المعنى يتضمن اوسع من ذلك من تأثير النساء اللاتي يوسوسن في أذن الرجال وخاصّة الأزواج ليثنوهم عن عزمهم وليوهنوا إرادتهم في أداء المهام الكبرى.

وما أكثر الحوادث المؤلمة التي أدت إليها وساوس أمثال هذه النسوة طوال التاريخ والتي اشتعلت بسببهن الحروب، ولعل هذا المعنى في عصرنا أظهر من أي وقت آخر، إذ إنّ إحدى أهم وسائل نفوذ الجواسيس في أجهزة السياسة العالمية استخدام النساء، اللائي ينفثن في العقد، فتنفتح مغاليق الأسرار في القلوب ويحصلن على أدقّ الأسرار.

وقيل: إنّ النفاثات هي النفوس الشريرة، أو الجماعات المشككة التي تبعث بوساوسها عن طريق وسائل إعلامها لتوهن عزيمة الجماعات والشعوب.

ولا يستبعد أن تكون الآية ذات مفهوم عام جامع يشمل كلّ اُولئك ويشمل أيضاً النمامين والذين يهدمون بنيان المحبّة بين الأفراد.


مع اطيب التحيات 
  نبيل شعبان

 

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com