إستكبار إبليس   10
 

  تقدم الحديث عن بعض وسائل الاغواء الشيطاني ومنها التخويف بالفقر، والحث على الفحشاء، والامر بالسوء والمنكر، ومنها كذلك:

- تزيين المعاصي
  
فمن الادوات التي يستعملها الشيطان في ذلك هو الحبّ للدنيا وزينتها وزبرجها وزخرفها حتى تستولي على قلب الإنسان وفكره، فكما هو معلوم ان الله قد اوجد الشهوات في قلب الانسان لأجل امتحانه كما اوضحه في كتابه بقوله: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)، فجعل لها طريقا من الحلال الطيب الذي يرضاه، ولكن كيد الشيطان في إضلال الانسان هو دفعه لتحصيل هذه الشهوات عن طريق الإثم والمعصية كما في قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَـهُمُ الشَّيْطَانُ أَعمَالَـهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾، وهو ما ذكره إبليس من قبل في الثأر من ادم بالقول: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي [لَأُزَيِّنَنَّ لَـهُمْ فِي الأَرضِ] وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، فعند التزيين للشهوات والمعاصي ينسى الانسان أمر الآخرة ويستغرق في الشهوات حتى تكون الدنيا وزينتها ولهوها وزخرفها هي كلّ همّه وسعيه فلا يُبقي شيئاً من الأعمال والأوقات مبذولا لتحصيل الآخرة، فيقسو قلبه عن الاشتغال بالأخرة كما اوضح الله في كتابه بقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَـهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ﴾

عن أمير المؤمنين ع قال:
«الشَّيطانُ مُوَكَّلٌ بهِ (أي موكّل بالعبد)، يُزَيِّنُ لَهُ المَعصيَةَ لِيَركَبَها ، ويُمَنِّيهِ التَّوبَةَ لِيُسَوِّفَها (اي يؤخرها)» (نهج البلاغة الخطبة ٦٤)
(أي يسهّل للإنسان سبل ارتكاب المعصية ويؤمّله بالتوبة منها بعد ارتكابها، ثم يسوّف أو يؤّخر للفاعل التوبة حتى يأتيه الموت وهو على حال المعصية فيكون من أهل النار).

وعن أمير المؤمنين ع في حديث اخر قال:
«مَنْ شَغَلَ نَفسَهُ بِغَيرِ نَفسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمات ِ(أي من أهمل الاهتمام بآخرته واستغرق في أمور الدنيا فانه يفقد البصيرة ووضوح الهدف)، وَارتَبَكَ فِي الهَلَكاتِ (أي لم يتخذ القرار الصحيح في التعامل مع الأمور التي تنتهي به إلى العاقبة السيئة)، وَمَدَّت بِهِ شَياطِينُهُ فِي طُغيانِهِ (أي زيّنت له طول العمر في تحقيق أحلامه)، وَزَيَّنَت لَهُ سَيِّءَ أَعمَالِهِ (فحسّنت عنده أعماله السيئة وأصبح يراها وكأنها هي الأعمال الصحيحة التي ينبغي أن يسعى لها في الحياة)» (نهج البلاغة، الخطبة ١٥٧)

وعن رسول اللهِ (ص) قال:
«خُلِقَ إِبلِيسُ مُزَيِّنَاً، وَلَيسَ إِلَيهِ مِنَ الضَّلَالَةِ شَيءٌ»    (كنز العمّال : ٥٤٦)
(أي أن قدرة ابليس هي في التزيين والإغواء فقط وليس له قوة قهرية ترغم الإنسان على الضلالة، وإنما الإنسان هو الذي يختار الضلالة بإرادته بعد تزيين الشيطان).

عن أمير المؤمنين ع قال:
«اِعلَمُوا أَنَّ الشَّيطَانَ إِنَّمَا يُسَنِّي (أي يُمَّهِد) لَكُم طُرُقَهُ لِتَتَّبِعُوا عَقِبَهُ (أي تسيروا بعده)»  (نهج البلاغة، الخطبة ١٣٨)
(أي أن الشيطان ينقل الإنسان خطوة بعد أخرى نحو الانحراف والضلالة بهدوء وتشويق للمعصية)

عن أمير المؤمنين ع قال:
«إِنَّ الشَّيطَانَ يُسَنِّي لَكُم طُرُقَهُ، وَيُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُم عُقدَةً عُقدَةً، وَيُعطِيَكُم بِالجَماعَةِ الفُرقَةَ» (نهج البلاغة، الخطبة ١٢١)
(بمعنى أن الشيطان يتبع كل الوسائل التي تسبّب للإنسان السقوط في المعاصي من إثارة العداوة والفرقة والاختلاف والبغضاء والتشاحن وما شابه من الأمور التي تدفع الإنسان دفعاً لارتكاب الذنوب بعد التورط فيها).

عن الإمام الكاظم ع قال:
«إِنَّ المَسِيحَ ع قَالَ لِلحَوَارِيِّينَ: إِنَّ صِغَارَ الذُّنوبِ وَمُحَقَّراتِها مِنْ مَكَائِدِ إِبلِيسَ، يُحَقِّرُهَا لَكُم وَيُصَغِّرُها فِي أَعيُنِكُم فَتَجتَمِعُ وَتَكثُرُ فَتُحِيطُ بِكُم» (تحف العقول : ٣٩٢)                                                      (أي أن خطوات الشيطان تبدأ من الأمور الصغيرة ثم تنتقل إلى الأمور الكبيرة بعد سقوط الحواجز والموانع الأولية في نفس الإنسان التي تقف أمام الشيطان ابتداء).

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com