اهمية يوم الغدير    9
 

   تقدم الحديث عن الاخطار التي كانت تحيط بالدولة الاسلامية الداخلية والخارجية عند وفاة الرسول فهل يعقل ان رسول الله ونبيه وصفيه ان يترك هذه الاخطار من دون اهتمام وانتباه لتطفئ رسالته وتصادر جهاده وعمله؟

   فبغض النظر عن الإرادة الإلهية في هذا المقام التي أرسلت الأنبياء والرسل وأتمتها بخاتم الرسل والشـريعة الكاملة، فإنّ العقل يحكم بأن ترك مصير الأٌمّة إلى نفسها لتختار قائدها في تلك الظروف العصيبة والحرجة، وفي وسط الاخطار الخارجية والداخلية هو أمر ليس من مصلحة الإسلام والمسلمين، وإنّ وظيفة القائد الحكيم هو انتخاب شخص يخلفه في مهمّته ويقود المسيرة من بعده إلى أهدافها النهائية، وهو ما اجتمعت عليه النصوص النبوية في مجموعة كبيرة من الاحاديث الشـريفة التي تبين بأساليب متعددة وبشكل مباشر وصريح وعبر سنوات طويلة لجهاده ص ان الخلافة من بعده لعلي ع

   فمنذ كان في مكة عند اول الاعلان لدعوته مع عشيرته الاقربين قد بين ان من ينصره هو الذي يكون خليفته من بعده فلم ينصره غير علي فاشهدهم رسول الله بذلك، ثم توالت الوقائع الكثيرة في المدينة التي تعطي الاولوية لعلي من المؤاخاة لرسول الله، الى اختصاصه بحديثه في كل يوم، الى غلق ابواب المسجد النبوي جميعا الاّ باب علي، الى توضيح الآيات التي نزلت في حق علي، ومنها قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) ،الى اخصاصه بالإبلاغ عنه، الى ان توّجت ببيعة الغدير التي امر الله نبيه بالتبليغ عنها والا فان سعيه الكبير خلال فترة نبوته والتي تجاوزت العشرين عاما تكون بلا ثمرة فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفعَلْ فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهدِي القَومَ الكَافِرِينَ﴾،

   فأعلن رسول الله ولاية علي من بعده في حجة الوداع في غدير خم بالحديث المشهور الذي مطلعه (من كنت مولاه فعلي مولاه..) والمتواتر في جميع مصادر الحديث (مع اختلاف النص ) حيث بايعه بالولاية كل من حضر الواقعة.

   وبهذا يمكن القول أنّ الولاية ضرورة سياسية لازمة لكلّ قائد حكيم، بالإضافة إلى أنّها مسألة عقائدية دينية تتعلّق بإرادة الله في الخلق والبعث والجزاء،

   كما ان امير المؤمنين لم يسكت عن توضيح هذه الحقيقة رغم اعتزاله السياسي وسكوته في فترة حكم الخلفاء من أجل الحفاظ على بقاء الاسلام ودوامه، الا انه بعد ان عادت اليه خلافة المسلمين وفيها ما فيها من التحريف للأصول الالهية والتي جعلته ينشغل بحرب الناكثين والمارقين والقاسطين وتصحيح المفاهيم الاسلامية تدريجيا فانه قد ذكر هذه الحقيقة في وقتها المناسب لها
حيث تنقل المصادر التاريخية ان عليا ناشد الناس في رحبة الجامع بالكوفة فقال:

أيكم سمع رسول الله يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه ؟ فقام اثنا عشر رجلا فشهدوا بها، وأنس بن مالك لم يقم، فقال له علي ع : يا أنس ما يمنعك أن تقوم فتشهد فلقد حضرتها؟
فقال: يا أمير المؤمنين كبرت ونسيت
فقال عليه السلام: اللهم إن كان كاذبا فارمه بها بيضاء لا تواريها العمامة،
قال طلحة بن عمير: فوالله لقد رأيت الوضح به بعد ذلك أبيض بين عينيه.

(الوضح: البرص)(بحار الانوار جزء ٣٧ / صفحة٢٠٠)

   وروى عثمان بن مطرف أن رجلا سأل أنس بن مالك في آخر عمره عن علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: آليت أن لا أكتم حديثا سئلت عنه علي عليه السلام بعد يوم الرحبة، ذاك رأس المتقين يوم القيامة، سمعته(اي الحديث) والله من نبيكم.

   وروى عن أبي سليمان المؤذن أن عليا عليه السلام نشد الناس: من سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه ؟ فشهد له قوم وأمسك زيد بن أرقم (وكان من الحاضرين مع انس بن مالك) فلم يشهد وكان يعلمها، فدعا عليه علي عليه السلام بذهاب البصر فعمي، فكان يحدث الناس بالحديث بعد ما كف بصره.

   وروى ابن ابي الحديد في الجزء الاول ص٤٧٢ عن طلحة بن عميرة قال: نشد علي عليه السلام الناس في قول النبي صلى الله عليه واله " من كنت مولاه فعلي مولاه " فشهد اثنا عشر رجلا من الانصار وأنس بن مالك حاضر لم يشهد، فقال علي ع له: يا أنس ما منعك أن تشهد وقد سمعت ما سمعوا ؟
قال: كبرت ونسيت، فقال له عليه السلام، [اللهم] إن كان كاذبا فاضربه ببياض أو بوضح لا تواريه العمامة، قال أبو عميرة: فأشهد بالله لقد رأيته بيضاء بين عينيه.

  و روي عن زيد بن أرقم انه قال: نشد علي ع الناس في المسجد فقال: أنشد رجلا سمع من النبي صلى الله عليه واله يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " فقام اثنا عشر بدريا ستة من الجانب الايمن وستة من الجانب الايسر فشهدوا بذلك، قال زيد وكنت فيمن سمع ذلك فكتمته، فذهب الله ببصري، وكان يتندم على ما فاته من الشهادة ويستغفر.

   فجميع هذه القضايا التي ذكرت في الحلقات الماضية تظهر ان لواقعة الغديراهمية كبرى وهي توضيح طبيعة النظام السياسي في الاسلام والذي هو جزء من ارادة الله في خلقه فهو الخالق والرازق والمدبر وهو يفعل ما يشاء ولا يفعل ما يشاء غيره، وقد اقتضت ارادته ان يعبده الخلق بما امر به في كتابه المنزل لهم وبما اختار لهم من الانبياء والاوصياء المعصومين ليحكموا بين العباد بالحق والعدل في الدنيا وليكونوا الشهداء عليهم في الاخرة،

   فهكذا جرت سنة الله في اختيار الانبياء والاوصياء المنتجبين والمعصومين وفي انزال الكتب والشرائع من عنده، ولئن كنا الان في فترة استثنائية من تاريخ ارسال الانبياء وهي فترة غيبة ولي الله المعين منه حيث سيكون على يديه اقامة حكم الله في العالم فان ذلك لا يغير سننه التي جعلها لخلقه فجميع احداث الدنيا والكون كله هي خاضعة لأمر الله وتدبيره ولا يخرج شيء منها عن ارادته وهو اعلم بما خلق وما يريد (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )، (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)،

🌿مع اطيب التحيات من🌿
     نبيل شعبان

 

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com