اهمية يوم الغدير   8
 

   تقدم الحديث عن الاخطار التي كانت تحيط بالإسلام عند وفاة النبي والتي تستدعي ان تكون هناك وصية منه في تعيين من يليه واول تلك الاخطار هو سقوط القرار بيد زعماء العشائر التي كانت نفوذها مستوليا على امور العشيرة كلها، والتي يعني ان قراراتها ومواقفها ستكون تبعا لمصالحهم الشخصية التي تتقدم على مصلحة الاسلام وهو ما يمثل خطرا على انحراف الدين واهدافه .

اما الخطر الثاني الذي يحيط بالرسالة الاسلامية فهو القوى الخارجية المتربّصة شرّاً بالإسلام، وذلك بعد ان ظهرت قوته عندما قام بغزوة تبوك وما بعدها.

   فمن جهة الشرق كانت هناك الإمبراطورية الساسانية بقيادة خسـرو برويز الذي مزّق رسالة النبي بكلّ وقاحة وأساء إلى ممثّل رسول الله وحامل رسالته إليه، ومن جهة الغرب كانت هناك إمبراطورية الروم وحلفاؤها في البلاد العربية، والذين واجهتهم الجيوش الإسلامية في مؤته وتبوك وغيرها وعرفوا مدى قوتها.
فهذه القوى كانت ترى في الإسلام خطراً عليها، ولذا أعلنت عدواتها له، وكانت تستعدّ لـمواجهة عسكرية معه تنهي فيه هذه القوة الجديدة الصاعدة.

   وهنا يأتي السؤال، هل يعقل أنّ رسول الله والذي قاد بنفسه بعض الحملات العسكرية نحوهم، وحرّر عدداً من المناطق العربية التي تقع على حدود الدولة الرومانية من هيمنتهم، هل يعقل أن يتركهم وشأنهم في اجهاض دعوته والقضاء على رسالته من دون أن يعدّ العدّة لمواجهة هذا الخطر الذي يحيق بالإسلام والمسلمين فلا يعين الخليفة والقائد من بعده لمواجهة هذه الأخطار؟

اما الخطر الثالث: فهم المنافقين والمؤلّفة قلوبهم والطلقاء بعد الفتح

   وهم أخطر الأعداء الذين كانوا يتربّصون بالإسلام والمسلمين شرّاً، فهم قد حاربوا رسول الله في حياته سرّاً وعلانيةً ونزلت فيهم آيات عدّة تكشف نفاقهم وكيدهم، ثمّ جاء معهم الطلقاء من الذين أَسلموا بلسانهم مكرهين ولم تؤمن قلوبهم، ومعظمهم كانوا من الذين خاضوا الحروب والمعارك السياسية والاقتصادية والإعلامية ضدّ رسول الله وعلى رأسهم قيادات وزعماء الحزب الأموي الذي كان يقوده أبا سفيان وأولاده من الذين أسلموا عن رهبة لا رغبة في الدين، حيث كانت أعينهم ترنوا إلى تولّي السلطة من بعد وفاة النبي، لتكون لهم مُلكا عضوضاً من بعد أن يهيؤوا الأسباب لذلك، ومقولة أبا سفيان عند وصول الحكم لعثمان مشهورة معروفة بين المسلمين حين قال لبني امية: (تلقفوها يا بني أمية تلقّف الكرة، فوالّذي يحلف به أبو سفيان ما من جنّة ولا نار ولا حساب ولا عقاب).

   وما كان هذا الخطر ليخفىٰ على رسول الله ﷺ وهو النبي المصطفى الذي أعطاه الله من أخبار الغيب ما شاء، وعرفه المنافقين وفتنهم وأخبارهم، فحذر بدوره المسلمين من الفتن في المستقبل وتحدث عن الشجرة الملعونة في القرآن، وحذّر من نزو القرود على منبره، وتحدّث عن الفتن التي سيتعرّض لها المجتمع الإسلامي بعد وفاته، إضافة إلى أنّه كان القائد الملهم والسياسي الخبير الذي عاش مع الأُمّة وخبّرهم فرداً فردا، وصنع نصـرها وأمـجادها خطوة خطوة بكلّ ما فيها من صعاب وأذى ومعاناة نفسية وبدنية ورسالية، فهل يمكن لرسول الله مع معرفته بكلّ هذه الحقائق أن يتجاهلها ولا يفكّر في المستقبل ويترك الأُمّة في فراغ سياسي يفتح عليها أبواب الفرقة والاختلاف، ويفسح المجال لأعداء الإسلام وطلّاب السلطة في أن يفعلوا ما يشاؤون من دون قيامه بمواجهة هذه الاخطار؟

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com