اهمية يوم الغدير 7
 

   تقدم الحديث عن ادعاء البعض بعدم وجود اساس شرعي من القرآن والسنة في تحديد الخليفة او الحاكم للمسلمين وان الامر قد ترك للناس لانتخاب خليفتهم بأنفسهم وقد تبين فيما مر عدم صحة هذا الادعاء، ولكن مع ذلك لو سلمنا بذلك جدلا فهل يمكن لرسول الله ص أن يترك الامور كما هي في وسط الوضع السياسي المضطرب الذي يحيط بالدولة الاسلامية من دون أن يحدّد الخليفة من بعده ؟ أو على الأقلّ أن يحدّد آليّة سياسية واضحة تمثل المعيار الذي يعيّن الخليفة وفقه ؟

   إنّ المتتبع للأوضاع العشائرية والسياسية في حينها يجد أنّه لابدّ للنبي أن يعهد الأمر لـمن يكون بعده حافظا على الدين وعلى سعيه الطويل في بناء الدولة، فالأجواء السياسية الغالبة على المجتمع تحكي عن وجود الاخطار التي تهدد وجود الاسلام وبقائه في نفوس العامة فهي تميل لصالح غلبة المنافقين وأعداء الإسلام، كما يتبين بالتوضيح التالي:

   لقد كانت هناك ثلاثة اخطار قبل وفاة النبي تهدّد امن الدولة الإسلامية الفتية والتي كانت تستدعي من الرسول ان يحدد موقفه تجاهها.

الخطر الأوّل: الطبيعة القبلية للمجتمع العربي.
   فقد كانت طبيعة المجتمع العربي وطريقة الحياة الاجتماعية للناس قائمة على النظام القبلي الضارب في جذوره من قبل الإسلام وبعده، فلم يسعى النبي إلى تغيير الأوضاع القبلية السائدة في حينه، ولكنه حاول تغيير بعض أسسه الفكرية التي كانت تتعارض مع الشـريعة، إلّا أنّ الأعراف العشائرية كانت قائمة في المجتمع وتتحكم في تعامله الاجتماعي والسياسي، سواء في مكة قبل الهجرة، أو بعد الهجرة إلى المدينة، أو بعد الفتح لمكة، حيث كانت هذه الأعراف تترك آثارها السياسية والتي عانىٰ منها رسول الله كثيراً سيّما في المدينة المنوّرة في تعامل المسلمين فيما بينهم أو مع الكفار والمنافقين الذين تصدّىٰ لهم رسول الله، بل حتّى مع اليهود في الاتفاقيات السياسية والاجتماعية وفي حالات الحرب معهم كانت للأعراف القبلية أثراً في ذلك.

   فالطبيعة القبلية والتي تعني أساساً الخضوع لسيّد العشيرة وأعرافها كانت هي الحاكمة على جميع القبائل، ممّا يعني أنّ القرار النهائي هو بيد شيخ القبيلة، مهما كان عدد أفراد القبيلة او العشيرة، وان الجميع سيطيعونه ويخضعون لأمره ويلتزمون بما يقرره سواء أكانت القضايا اجتماعية أو سياسية أو شخصية.

   وهذا يعني أن المجتمع المسلم لو ترك على ما هو عليه من الوضع الاجتماعي والسياسي آنذاك من دون وصيّة من رسول الله ﷺ فإنّ الرأي الأخير سيكون لشيوخ العشائر، ولن يخرج على رأيهم أحد من أفراد العشيرة حتى لو كان رأيه مخالفاً.

   ممّا يعني أنّ القرارات السياسية ستكون بيد حفنة من الأفراد الذين يمثلون زعماء القبائل وليس بيد الناس، (أي كما هو الحال في زماننا الحاضر في بعض المجالس البرلمانية الممثلة بجهات سياسية مهيمنة، حيث يكون الرأي النهائي لرئيس الحزب أو الجماعة وعلى الآخرين التصويت طبق رأيه، والنتيجة النهائية لذلك هو أنّ يحكم البلد بأفراد محدودين يمثّلون رؤساء الأحزاب وليس المجلس الممثّل من عدّة مئات من المنتخبين عن الشعب، ولذا يكون الاستفتاء الشعبي في ظاهره ديمقراطياً وفي باطنه محكوما بهيمنة أفراد يفرضون آراءهم على الناس، حيث تنعكس خلافاتهم ومصالحهم واهوائهم ومبنياتهم الفكرية والشخصية في سياسة البلد الداخلية والخارجية، وكان الأولى بهذه المجالس التي تسمى مجالس الشورى أو الشعب أو مجالس المحافظات وغير ذلك من المسمّيات أن تسمّى بالمجالس القبلية السياسية).

   والحق أن وقوع السلطة بيد زعماء القبائل ينطوي على مخاطر كبيرة، لأنّ هذه الشخصيات بحكم تربيتها واعتيادها على الزعامة كإرث ورثته من الأسلاف يخضع له أفراد القبيلة، غالباً ما تكون هذه الشخصيات هي شخصيات أنانية مستبدة لا يهمّها غير تحصيل الامتيازات والمكاسب الشخصية، بل إنّ حربها الطويلة مع الإسلام وعدم تسليمها للنبي ص في مكّة، وإيذاء المنافقين له في المدينة، إنّما كان نابعاً من خوف تلك الزعامات على زوال قدرتها الاستبدادية وامتيازاتها الخاصّة، ولذا فإنّ انتقال القيادة لها بعد موت النبي بحكم الطبيعة العشائرية (حين لا يكون هناك وصيّة من النبي) يعني أن تكون القيادة بيد أشخاص ليس لهم المقوّمات الإسلامية التي ينبغي أن تكون في الخليفة الحاكم من حيث الفكر والعلم والتقوى والإخلاص والتضحيّة، فالـهَمُّ الوحيد بالنسبة لهؤلاء الزعماء هو تحصيل السلطة نتيجة لمحاسبات عشائرية ضيقة الأُفق والنظرة، ولهذا كان محور النقاش حول اختيار خليفة لرسول الله في سقيفة بني ساعدة بين يدور بين زعماء العشائر منهم .

   وتبعا لذلك فإنّ غالبية هذه الزعامات تخضع في النهاية للمساومات السياسية والمصلحية أو لـمن كان الأقوى في النفوذ والقدرة، والتي تنتهي في النتيجة إلى وقوعها بيد أحد الأشخاص الطامـحين والأكثر استبداداً وتسلطاً، حيث ينتهي الأمر إلى الاستبدادية والقهر والـمُلك العضوض أو الدكتاتورية الغاشمة.

   فهل كان يمكن لرسول الله وهو الأمين على رسالة الله أن يترك الأمّة لتقودها التقاليد والأعراف القبلية وتحكمها الانقسامات والفرق من دون أن يجعل لها نظاماً أو وصية تقودهم إلى انتخاب القيادة الربّانية المتمّمة لجهاده وسعيه ؟

وللحديث تتمة

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com