اهمية يوم الغدير    6
 

   تقدم الحديث في مناقشة مضمون الغدير من انه يمثل ضرورة عقلية قبل ان يكون ضرورة دينية اذ لا يعقل لصاحب سلطة او دولة ان لا يفكر فيمن يعهد اليه الامور من بعده، فكيف يكون الامر اذا كان هذا الانسان حامل رسالة دينية ارسله الله الذي تجري احداث الدنيا والكون بخلقه وارادته فهل يعقل انه يترك الناس من دون دليل وارشاد لمن يكون من بعده ؟

   فان قيل ان هذه الامور قد انزلها الله فيما مضى من دينه ولكنه ترك اختيار نوع الحكومة وشكلها للامة بعد النبي، فدين الاسلام كما يصطلح عليه اليوم دين ديمقراطي يحقق حاجات الشعوب باختيارها لنفسها نوع الحكومة التي تريدها.

   والجواب على ذلك انه قد تقدمت الآيات من ان الله سبحانه اوجب بان يكون الحكم في الارض بدينه وحكومته بقوله: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، فلابد اذن من وجود اليّة او وسيلة يرجع اليها الناس في جعل الحكم لله من دون ان تختلف في ذلك الامة ، كأن يكون مثلا هناك هيئة أو مجلس معلوم يقوم بانتخاب الخليفة، اما بتفصيل من آيات الكتاب الكريم، او بتفصيل واضح من رسول الله لمنع الاختلاف بين الامة، وهذا بدوره يتطلّب تفصيلات دقيقة في تعيين هذا المجلس وصفات أفراده، وعددهم، ومسؤولياتهم، واختياراتهم، مع وجود ضوابط وقواعد يرجع إليها اعضاء المجلس عند الاختلاف بالرأي فيما بينهم، كالرجوع إلى الأكثرية أو القرعة أو غيرها من الموازين، بالإضافة إلى وجود قواعد وأُسس تحدد نوعية المرشحين لرئاسة الدولة ومواصفاتهم فلا يمكن لأي فرد كان ان يرشح لهذا الموقع الا ان يكون حائزا لميزان خاص كالصفات الايمانية والعقلية والادارية والعمرية والعلمية والشأنية وغير ذلك من الموازين التي يتطلبها الحاكم للامة،

    اما اذا اريد توسعة الامر اكثر وجعل الامور بيد الناس كليا في انتخاب قادتهم ابتداء من مجلس الرئاسة الذي ينتخب الحاكم، الى انتخاب الحاكم او الخليفة، الى انتخاب ممثلين عن الامة او ما يعرف بالبرلمان او مجلس الشعب، فلابد من اجراء انتخابات شعبية تحدد فيها الطريقة والاسلوب واختيارات الفائز وحفظ حقوق المعارضة بتشكيلاتها المختلفة وافساح المجال لها في ادارة الدولة كليا او جزئيا وكثير من التفاصيل الاخرى التي تتعلق في موضوع الانتخابات، وهو مالا نجد له ايضاحا في الكتاب او السنة، مما يجعل هذا الامر غريبا على الدين والذي ينبغي ان يشمل الحياة كلها باعتباره الدين الالهي الكامل الذي قال الله فيه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، مما يدل على ان نظام الحكم الاسلامي يقوم على اساس اخر وهو التعين الالهي لخليفته في الارض والذي يكون وسيلة الارتباط بين الارض والسماء بعصمة الله وتسديده له، اما عند الرجوع الى غيره من الوسائل الاخرى كالانتخاب للقيادة فانه سيكون سببا لحصول الاختلاف بين الناس لغلبة المصالح الشخصية والحزبية على المصلحة الاسلامية بالإضافة الى عدم وجود تفصيل لذلك في ثنايا الشـريعة الإسلامية من الكتاب أو من السنة،

   ولهذا نجد أنّ الخلافة من بعد وفاة النبي لم تكن على شاكلة واحدة ومنهج واضح، ففي السقيفة (سقيفة بني ساعدة) عندما اجتمعت ثلّة من المهاجرين والأنصار لاختيار الخليفة الاول كان المعيار في الانتخاب هو المعيار العشائري، ولذا رجحت كفة قريش لأنّها من عشيرة النبي فكانت الخلافة لأبي بكر، (ومن أجل ذلك كان رد أمير المؤمنين على منطقهم هذا بقوله: «احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة» (لأنّ قلب قريش هم بني هاشم الذين ينتسب النبيّ إليهم في الأجداد، وبناءً على ذلك ينبغي أن تكون الخلافة لعلي بن أبي طالب من بعد النبي، لأنّه يمثل فرع بني هاشم وامتداده الباقي)، كما كانت لأمير المؤمنين احتجاجات اخرى بناء على منطقهم فعندما سمع ان ابا بكر قال للأنصار في السقيفة "نحن عترة رسول الله ﷺ وبيضته التي تفقأت عنه" وغلبهم بهذه الحجة، ثم لما تحققت له بيعة الناس في المدينة احتج على المخالفين بان البيعة قد صدرت عن أهل الحلّ والعقد، فقال له علي ع: (أما احتجاجك على الأنصار بأنّك من بيضة رسول الله ﷺ ومن قومه، فغيرك أقرب نسباً منك إليه (ويقصد نفسه)، وأمّا احتجاجك بالاختيار ورضى الجماعة، فقد كان قوم من أجلّة الصحابة غائبين لم يحضروا العقد، فكيف ثبت لك ذلك؟ {اي كيف ثبت لك انتخاب الامة كلها}) (بحار الانوار: ج٢٩ص٦١١)

   كما أنّ أمير المؤمنين ع احتج على مقولة عمر عندما قال لأبي بكر في السقيفة لتمهيد البيعة له:" أنت صاحب رسول الله ﷺ في المواطن كلّها شدّتها ورخائها، فامدُد أنت يدك لأُبايعك، فبايعه عمر ثمّ بايعه الناس"، فقال له علي ع بعد دفن رسول الله واعتزاله عن بيعة اب بكر : ((إذا احتججت لاستحقاقه بصحبته إياه في المواطن كلها (اي كانت حجتك في استحقاق ابا بكر للخلافة هو بسبب صحبته لرسول الله في المواطن كلها)، فهلّا سلمت الأمر إلى من قد أشركه (اي رسول الله) في ذلك وقد زاد عليه (أي زاد على أبي بكر) القرابة؟!)).( نهج البلاغة:ج١ ص١٠٥)، البحارج٢٩ص٦١١

  ولهذا قال عمر عن خلافة ابا بكر بعد استقرار الوضع لهم : "فو الله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة وقى الله ولكن الله وقى شرها" مما يدل على فشل المعيار العشائري الذي قامت الخلافة في اول الامر .

    اما الخلافة الثانية التي كانت لعمر بن الخطاب فقد كان المعيار فيها هو الوصية الشخصية من أبي بكر بتعيين عمر، ولم يكن لمقاييس الشـريعة أو شروطها أي دخالة في ذلك، لا بادّعاء رسمي ولا بأيّ عنوان آخر، فالمعيار هو التقدير الشخصي للخليفة السابق.

   وفي الخلافة الثالثة التي انتهت إلى عثمان بن عفان كان المعيار الظاهري هو الشورى في الانتخاب للخليفة، ولكن المعيار الواقعي هو انتخاب الخليفة الجديد من قبل تخطيط وارادة الخليفة السابق (أي عمر بن الخطّاب)، حيث كانت الاختيارات المطلقة الفعلية كلها بيده قبل موته، فهو الذي حدّد أسماء المرشّحين، وعددهم، والشـروط التي يتمّ وفقها الانتخاب، ومنها اعدامهم بالسَّيف جميعاً عند عدم الاتفاق على الخليفة!

   وفي الخلافة الرابعة التي تمّت فيها البيعة الشعبية لعلي بن أبي طالب ع كان المعيار هو الانتخاب الشامل للأُمّة، وهذا يثبت عدم قيام الخلافة على شاكلة واحدة او منهج واضح محدد مما يعني عدم وجود أساس ثابت شرعي للانتخاب الخليفة لا في الكتاب ولا في السنّة، فهل يمكن ان يترك للناس اختيار خليفتهم على ذوقهم او مصالحهم الخاصة ؟ ان هذا مما لا يقبله اي مسلم يقر بان الحكم لله وهو ما يدل على وجود طريق اخر اختاره الله لعباده (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

وللحديث تتمة

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com