اهمية يوم الغدير   5
 

   تقدم الحديث عما جرى في سقيفة بني ساعدة من اختيار ابي بكر والتي ضمت كثير من الامور التي لم يتطرق اليها الموضوع من تفاصيل الخلافات الداخلية بين المؤتمرين (والتي استطاع بها عمر بن الخطاب في نهايتها من حسم القضية لصالح ابي بكر)، وعن كيفية اخذ البيعة العامة من المسلمين في المدينة فيما بعد، وقد تم هذا في الوقت الذي لم يوضع رسول الله (ص) في قبره ولما يصلي عليه المسلمون بعد،

   وكان علي ع آنذاك مشغولا بتغسيل رسول الله وتكفينه عالما بمدى الاخطار التي تتعرض لها الامة بعد موته من المنافقين والكفار في الداخل والخارج والمسئولية الكبرى التي حمّل بها يوم الغدير، وما عهد به اليه رسول الله (ص) من اخبار الدين والدنيا في طوال عمره الذي قضاه معه منذ الصبا حتى الممات وما خصه به رسول الله دون غيره سيما ما كان قبل رحيله عن الدنيا، ومن يقرأ خطبه في نهج البلاغة يعلم مدى الاذى والمعاناة التي تعرّص لها (ع) في خلال الفترة التي تلت وفاة رسول الله حتى شهادته، وهو موضوع يطول الكلام فيه ويحتاج الى مؤلفات كثيرة، ولكن لكي يبقى الموضوع في دائرة اهمية يوم الغدير فان الباحث يجد ان محتوى الاعلان لمضمون ما طرح في يوم الغدير انه يمثل ضرورة سياسية قبل ان يكون ضرورة دينية!!

    فلو تركنا موضوع العقائد الدينية التي تتناول أهداف الخلق الإلهي للإنسان والغاية من وجوده، في الدنيا وحسابه في الاخرة، ولو تركنا الأدلّة على إثبات واقعة الغدير كحادثة تاريخية مشفوعة بالأدلّة والشواهد الواضحة، ونظرنا الى الامر كمسألة عقلية لا علاقة لها بالدين فإنّ مجريات الأحداث السياسية التي حدثت بعد وفات النبي تفرض أن يكون هناك وصيّة من رسول الله لـمن بعده كما يفعل كلّ حكّام الدنيا وأصحاب المبادئ بل وحتّى الطامعين في الحكم والسلطان في أن يمهدوا الحكم لـمن بعدهم من أولادهم أو أنصارهم أو من يكمل المشوار لأفكارهم ونظرياتهم وطموحاتهم، فهكذا عهدنا الدنيا منذ كانت فيها العشائر والزعامات والملوك والامراء سواء اكانوا مستقرّين في بلادهم أو غزاة لجيرانهم إلى أن أصبحت اليوم دُولاً لها انظمتها وحكوماتها وأحزابها ومجالسها السياسية، فهل يعقل أنّ رسول الله وهو صاحب العقل الأكمل والمثالية الاسمى والذي قضّـى عمره وحياته في الجهاد من أجل عقيدته كزعيم سياسي (وهو أسمىٰ وأعظم واجل من هذا الوصف) أنّه لا يفكّر بمن يخلفه في رسالته أو أهدافه من بعده ؟

    وحتى لو خرجنا عن إطار الدين في هذا التفكير وقلنا أن الله لا يهتم لمستقبل دينه، وأن إرسال الرسل والشـرائع كان لـهواً ولغواً، وأن الخلق كان عبثاً، وانه لم ينزل الآيات الكثيرة في متابعة رسوله واحداث الرسالة تباعا (ولا يقول مثل هذا القول إلّا جاهل كافر أحمق)، فهل يعقل لصاحب نظـرية سياسية واجتماعية قلبت الموازين في المجتمع أن لا يفكّر بالمستقبل الذي سعىٰ للوصول إليه في حياته وعانىٰ ما عانىٰ من أجل بلوغه وتعرّض للموت من أجله ان لا يهتم بمن سيخلفه لإتمام أهدافه ورسالته من بعده ؟

   إنّ هذا لمحال على العاقل اللَّبيب، فكيف إذا كان حامل هذه الرسالة هو رسول الله وسيد أنبيائه ورسله، الذي اصطفاه الله على البشر جميعاً، وحمّله أكمل وأتمّ رسالاته، واختصه بأفضل منازل الشرف والكرامة، ليقوم بإنجاز أمره وتنفيذ دينه واعلاء كلمته وارادته في الارض!

  اللّهم إلّا أن نقول أنّ رسول الله قد فقد عقله، وهذا ما لا يكون لنبيّ انتجبه الله وأودع شريعته لديه وعصمه فلا ينطق عن الهوى، وما لم يقلّ به حتى أعداءه بعد أن ظهر أمره وغلبت حجته، (وإن حاول بعض المنافقين أن ينسب ذلك الى الرسول في مرضه الأخير عندما طلب رسول الله ممن كان حوله أن يأتوه بدواة ليكتب لهم كتاباً لا يضلّوا بعده أبدا، فاتّهمه أحدهم بالهجر أو الهذيان أو الجنون كما تقدم ذكره).

   أو أن نقول أنّ الباعث لعدم اهتمام رسول الله بالمستقبل ناشئاً من عدم اشتمال دينه ورسالته على منهج واضح في تعيين الحاكم وهو اتهام لله سبحانه الذي ارسل الانبياء والرسل منذ البدء بما يتناسب مع فهم الانسان وادراكه حتى اتم دينه بما يتناسب مع دوام الانسان الى يوم القيامة فقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، وحاشى لله سبحانه ان يكون في قدرته نقص او ضعف او غفلة او سهو فهو القائل: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).


وللحديث تتمة

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com