اهمية يوم الغدير   2
 

   تقدم الحديث عن اليوم الذي وقف فيه رسول الله ﷺ في حجة الوداع في منطقة تعرف بغدير خم وخطب في الناس خطبة عامّة أرسى فيها أصول الحكم الإسلامي من بعده بأمر الله تعالى حينما نزل الوحي بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَمْ تَفعَلْ فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فأعلن فيه ان التعيين الالهي لمن يقوم من بعد وفاة النبي هو لعلي بن ابي طالب وقد بايعه على ذلك الامر جميع من حضـر الخطبة وقاموا بالتسليم لعلي بالولاية ولذا لقب الامام علي ع بأمير المؤمنين، فأنزل الله بعدها آيات بينات بقوله تعالى: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتمَمتُ عَلَيكُمْ نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلَامَ دِيناً﴾ لكي يعلم الناس أن الحكومة الإلهية لا تكون إلّا بقيادة خلفاء الله في ارضه من الأنبياء والأوصياء الذين يختارهم الله ويجعلهم حججاً على عباده ومناراً في بلاده، فما كان الحكم لله متروكاً للناس باختيارهم وانما الاختيار فيه لله سبحانه ﴿وَمَا كَانَ لِـمُؤمِنٍ وَلا مُؤمِنَةٍ إِذَا قَضَـى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمرًا أَنْ يَكُونَ لَـهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمرِهِمْ وَمَنْ يَعصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَد ضَلَّ ضَلالا مُبِيناً﴾.

   ولئن غيّب هذا اليوم وخطبة الرسول العظيمة فيه عن عموم المسلمين تاريخياً بسبب الاحداث التي جرت على الامة، فانه للباحث والمتتبع فيه امر واضح كالشمس إذ اشتملت على ذكره معظم مصادر الحديث على اختلاف المذاهب رغم الاختلاف في تفسير الحديث أو توجيهه.

   وفي الحديث عن أئمة أهل البيت ع في التعريف بهذا اليوم بعد الانفراج السياسي النسبي عند أول سقوط الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية ما يؤكد هذا الحدث واهميته الاسلامية والشرعية

فقد بيّن الإمام الصادق ع في حديث لِمَن حضـر في مجلسه من محبيه وشيعته أهمية هذا اليوم بعد التغييب الطويل لهذه الحقيقة من قبل السلطات الحاكمة لأكثر من مئة عام حيث قال:
«أتعرفون يوماً شيّد الله به الإسلام وأظهر به منار الدين وجعله عيداً لنا ولموالينا وشيعتنا؟
فقالوا: الله ورسوله أعلم، أيوم الفطر هو يا سيّدنا؟
فقال ع: لا، قالوا أفيوم الأضحى هو؟
قال: لا، هذان يومان شريفان جليلان ويوم منار الدين أشرف منهما، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة»

وعن عبدالرحمن بن سالم عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله ع هل للمسلمين عيد غير الجمعة والأضحى والفطر؟
فقال الصادق ع : نعم اعظمها حرمة.
فقال له: وأي عيد هو جعلت فداك؟
قال ع : اليوم الذي نصب فيه رسول الله ﷺ أمير المؤمنين ع وقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه.
فقال: وأي يوم هو؟
فقال: يوم ثمانية عشر من ذي الحجة»

   وهو ما يكشف عن مدى التسلط والضغط والارهاب السياسي التي كانت تمارسه السلطات الاموية في عدم افساح المجال للخوض في امثال هذه الموضوعات، وعن مدى الانحراف الفكري والثقافي عن عقائد الدين الاصيلة التي كانت تسود في المجتمع لإلهاء الامة في مواضيع وانشغالات جانبية تصدهم عن ذكر الله وتغرقهم في الدنيا وملذاتها.

   اما العيد الذي ذكر في هذه المناسبة فهو عيد معنوي يستلزم الشكر لله على نعمائه وفضله على الناس وليس عيدا شرعيا، اي كما يقال عن سجدة الشكر، فهي وان كانت سجدة لله الا انها غير السجود الواجب في الصلاة وانما هي سجدة مستحبة يقوم بها المؤمن عند تجدد النعم الالهية من الله لعبده، ولذا قال بعض الفقهاء انه يستحب الصوم في هذا اليوم شكرا لله في حين ان العيد الشرعي كالفطر والاضحى لا يجوز فيه الصوم.

   ولِمَن شاء المزيد من المعلومات والبحث عن تفاصيل واقعة الغدير ومناقشة الادلة للمخالفين في توجيه حديث النبي فيه الى غير وجهته فعليه مراجعة كتاب الغدير بأجزائه المتعددة للسيد الأمين رحمه الله الذي أجاد وأحسن في عرض الأدلة الدينية والتاريخية والاجتماعية المتعلقة بهذا الموضوع، بالإضافة الى بعض الدراسات المعاصرة التي تتبّعت الموضوع دينيا وعقائديا بصورة علمية ووصلت الى نتائج قيمة تثبت اهمية هذا الحدث من ناحية دينية وسياسية،

   اذ لو عمل المسلمون بوصية رسول الله ﷺ في خطبة الوداع في غدير خم، والتي هي امر الله تعالى في تعيّن حجته من بعد النبي، لما حدث كل ما حدث من المآسي التي عاشها المسلمون في الماضي والحاضر ولأكلوا من ثمرات الحكم الالهي في تطبيق دينه واحكامه، ولتمتعوا بعدالة الاسلام في كل اوان وزمان كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحنَا عَلَيهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ﴾.

   ومن كان يظن ان امير المؤمنين قد سكت عن حقه الالهي فهو واهم اذ ان الاحداث التي تلت مؤتمر السقيفة قد بيّنت ان الامام استمر في متابعة واجبه الالهي وعدم مبايعته للخليفة الاول لمدة اشهر وانه خلال ذلك اقام عليهم الحجج وخاصة من خلال مواقف الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء الا انه بعد ان وصلت الامور الى حد يهدد استقرار دين الله في النفوس فقد عزف عليه السلام عن اعلان المعارضة خوفا على الدين وادراكا منه لطبيعة المجتمع في حينه، ففي الوقت الذي كان امير المؤمنين مشغولا بتغسيل رسول الله وتكفينه كان البعض منشغلا في تغيير مسار الخلافة الالهية بانتخاب حاكما جديدا باجتماعهم في سقيفة بني ساعدة والتي تتابعت فيها الاحداث بانتخاب الخليفة الاول ابا بكر كما سيأتي توضيحه في الحلقات القادمة

وللحديث تتمة

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com