الحج في معانيه الاسلامية    6
 

   تقدم رواية الامام زين العابدين مع الشلبي لأجل لفت نظره الى المفاهيم التي تستبطن رحلة الحج بكل اجزائها فلا تكون اعمال الحج وواجباته اعمالا آليّة خالية من المفاهيم والقيم والمعاني الاسلامية حتى وصل الحديث الى رمي الجمرات

فقال الامام ع مستفـسرا: [فهل] وصلت منى ورميت الجمرة، وحلقت رأسك، وذبحت هديك، وصلّيت في مسجد الخَيْف، ورجعت إلى مكّة، وطفت طواف الإفاضة؟ قال: نعم.
قال ع: فنويت عندما وصلت منى، ورميت الجمار
(أي الرموز للشياطين الثلاث في منى) أنّك بلغت إلى مطلبك، وقد قضى ربّك لك كل حاجتك؟ (بمعنى هل استشعرت بعد ان رميت الشياطين في منى انك قد وصلت الى مقصدك في طاعة الله بمخالفة الشياطين القلبية والعملية؟) قال: لا.

قال ع : فعندما رميت الجمار، [فهل] نويت أنّك رميت عدوك إبليس، وعصيته بتمام حجّك النفيس؟ (أي هل استشعرت عند رميك الشيطان بانك رميت عدوك اللدود وانك كنت مطيعا لله طوال فترة الحج وانك ستبقى على ذلك بعد انتهاء الحج كذلك؟) قال: لا.

قال ع : فعندما حلقت رأسك، نويت أنّك تطهّرت من الأدناس، ومن تبعة بني آدم وخرجت من الذنوب كما ولدتك اُمّك؟ (أي هل استشعرت عند الحلق انه ازالة للأوساخ والآثام المعنوية والمادية وانه نهاية للذنوب وللتجاوز على حقوق الله وحقوق عباده؟) قال: لا.

قال ع: فعندما صلّيت في مسجد الخيف (أي بعد رمي الشياطين)، نويت أنّك لا تخاف إلاّ الله عزّ وجلّ وذنبك، ولا ترجو إلّا رحمة الله تعالى؟ (أي هل دخل قلبك بعد أعمال يوم العيد انه ينبغي عليك المداومة على خشية الله وعلى اجتناب الذنوب التي تبعدك عن طاعته وتمنع نزول رحمته وفضله عليك؟) قال: لا.

قال ع: فعندما ذبحت هديك، [فهل] نويت أنّك ذبحت حنجرة الطمع بما تمسّكت بحقيقة الورع (أي هل أحسست انك عندما ذبحت هديك انما كان قصدك به وجه الله وحده خالصا مخلصا وليس لشيء اخر سواه استحصالا للتقوى والورع عن معاصيه كما في قوله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللهَ لُـحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشّـِرِ المُحْسِنِينَ ﴾؟، وأنّك اتبعت سنّة إبراهيم ع بذبح ولده وثمرة فؤاده وريحانة قلبه، (وحاجة) سُنَّتَه لـمن بعده وقربه إلى الله تعالى لمن خلفه؟ (أي وهل احسست انك قد اقتديت بمنهج ابراهيم الخليل واخلاصه لله وقدمت رضا الله وطاعته على كل امور الدنيا وروابطها، واحييت سنته لمن بعده في التقرب الى لله مهما عظمت التضحيات وجلّت)، قال الشلبي: لا.

قال ع : فعندما رجعت إلى مكة، وطفت طواف الإفاضة (أي بعد اتمام الرمي والذبح والحلق في منى)، نويت أنّك أفضت (أي نلت) من رحمة الله تعالى، ورجعت إلى طاعته، وتمّسكت بودّه، وأدّيت فرائضه، وتقرّبت إلى الله تعالى؟ (أي وهل استشعرت انك قد خضت في رحمة الله ونلت من عطائه وفضله واحسانه؟) قال: لا.

فقال له الامام زين العابدين ع : فما وصلت منى، ولا رميت الجمار، ولا حلقت رأسك، ولا ذبحت، ولا أدّيت نسكك، ولا صلّيت في مسجد الخيف، ولا طفت طواف الإفاضة، ولا تقرّبت، ارجع فإنّك لم تحج!» (بمعنى انك لم تحقق ثواب الحج وأهدافه ولم تستفد من حجك في تغيير حياتك).
فطفق (الشبلي) يبكي على ما فرّط في حجّه، وما زال يتعلّم حتّى حجّ من قابل
(أي السنة التي تليها) بمعرفة ويقين.

   فهذه المحاججة من الامام إنما تهدف الى توضيح المعاني المهمة التي يقصد من وراء العبادات المفروضة.
وكذلك هو الحال في موضوع الفقه للعبادات والقربات اجمالا ومنها الدعاء.

فقد ورد عن أمير المؤمنين ع أنه قال:
«لا يقبل الله عزّ وجلّ دعاءً بقلبٍ لاه »
(أي لاهٍ ومنشغل عن ربه خلال الدعاء بحيث يدعوه بكلمات ميتة)

وعن الإمام الصادق ع قال:
«لا يقبل الله عزّ وجلّ دعاءً بظهر قلبٍ ساهٍ »
(أي غافل عن الله ومنشغل في موضوع آخر عند دعائه)

وعن الصادق ع في حديث آخر قال:
«إنّ الله لا يستجيب دعاءً بظهر قلبٍ قاس»
(أي قاس عن ذكر الله لا يخشع له ولا يتضرع له ولا يتفاعل مع معاني الدعاء).

   فالمراد من العبادات هو فقه معناها المتضمن فيها لكي يتمكن المؤمن من ادائها كما يريد الله.
وفي مجال الحج فإن الحج المقبول هو الحج الذي ينصهر فيه الإنسان كلياً كما ينصهر النحاس عند صهره في مراكز الصهر ثمّ يعاد صبّه من جديد وكذلك الحاج ينبغي ان ينصهر قلبه في طاعة الله وتزول عنه كل شوائب الهوى والـشرك والأفكار المنحرفة والضلالات الشيطانية والقيم الجاهلية وكلّ ما يبعده عن الله ليعاد صبه وفق القيم الإسلامية الصحيحة التي يريدها الله من عبده، وعلى هذا الأساس يقاس مدى مقبولية الحج.

   فإن ترك الحج أثره في الحاج كلياً فإن حجّه مقبول بنسبة عالية، وإن أثّر فيه جزئياً فإنّ مقبولية حجّه بالمقدار الذي أثّر فيه، ولهذا ينبغي على الحاج أن يستوعب معاني الحج ويقف عند مداليلها، إذ إنّ كلّ شيء في الحج هو عبارة عن رموز تتعلق بالله والانبياء والإنسان والتي ينبغي أن يقف عندها الحاج ويتفكر فيها ليأخذ من معانيها عبرة وموعظة، وما تحمله رحلة الحج اجمالا من دروس ومواعظ ينتفع منها في حياته الإسلامية والاجتماعية.

   بالإضافة إلى ضرورة إتقانه لمناسك الحج ومستلزماته ليكون قد احرز سلامة الأعمال وصحتها، وعند ذاك يكون الحاج قد رجع بغنيمة الدنيا والآخرة وحقٌ له بعد ذلك أن يُدعى بالحاج.
يبقى هناك شيء آخر يوصّى به الحاج وهو المحافظة على الزخم والطاقة العالية التي حصّل عليها من الحج بعد العودة للديار حيث يلزمه أن يديم الإلتزام بقيم الإسلام وتعاليمه ويتصدى للشيطان ومكره وخداعه لتكون عاقبته هي العاقبة السعيدة الآمنة.

🌿مع اطيب التحيات من🌿
نبيل شعبان

 

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com