الحج في معانيه الايمانية    3
 

   تقدم ان الحج قيمته تتجلى بما يتضح للإنسان من فهم جديد لقيمة الحياة التي يبصر فيها بقلبه واقع الامور المتعلقة بالدنيا ليعيد تكيفه معها في الاهداف والغايات التي يجعلها محورا لحياته ولذا تناول البحث بعض معاني الحج ابتداء من الاحرام والطواف وصلاة الطواف والسعي بين الصفا والمروة والخروج الى صحراء عرفة حيث يقضون النهار في التضرع والدعاء ثم يغادروها الى المزدلفة ففي كل هذه المواقف صور من صور الاخرة يلين لها قلب المؤمن وتؤثر في فهمه للحياة الدنيا والغرض منها :

- كما أن في صور الحجاج وهم يقضون الليل في المزدلفة بعد عرفة، تمثل نمطا اخر من مشاهد القيامة، فكل منهم مشغول بشأنه، وكل يعد عدته استعداداً لامتثال أمر الله، وهو مُرتديا كفنه راجياً رحمة ربّه ورضوانه.

- وفي الاقامة في منى، تعبير عن الإحياء والمتابعة لجهاد خليل الرحمن، في رمي الشياطين التي عرضت له لتصده عن طاعة ربه والامتثال لأمره، فيرمي هو كذلك أولاً شياطين النفس الأمارة بالسوء، التي تريد إغواءه وصده عن طاعة الله بما تزينه له من حب الدنيا وشهواتها، وزينتها ومتاعها، من مال ونساء، وأولاد وجاه، ومقام وسلطة، وكل ما يلهيه ويبعده عن الله.

- ثم يرمي بعدها الشياطين التي تزين له القيم الجاهلية المنحرفة، وأمثالها من الأفكار المستوردة، والفلسفات المغلوطة التي تحرف الدين عن مساره ومعناه الاسلامي الأصيل، وتصد الإنسان عن الالتزام الديني الصحيح كما يريده الله منه في كتابه وعبر نبيه وأهل بيته (عليهم السلام جميعا).
ثم يرمى بعدها الشياطين الكبرى في العالم، التي تحتكر القوة والسلطة والجاه والمال، والتي تريد أن تسيّر العالم نحو اهدافها وغاياتها ومصالحها الأنانية العدوانية الظالمة، عبر رموزها و مؤسساتها الدولية المهيمنة على مقادير الشعوب، وبأسماء وعناوين عدة قديمة وجديدة هدفها الخداع والتضليل وتحريف المفاهيم عن معانيها، لتكون السيطرة لهم.
فيستنكر بهذا الرمي (الواعي) أعمالهم الإجرامية، وتضليلهم الإعلامي، وخداعهم ومكرهم ، ويشجب معها أيضاً جميع الوسائل والمخططات الصهيونية التي تكيد لأمة الإسلام ومن معهم من شياطين الجن والأنس، التي تريد ابعاد الشباب عن دينهم، وايقاعهم في مستنقع الرذيلة والشهوات، وتبعدهم عن الاستقامة في الحياة.

- وفي تقديم الـحاج لقربانه وهديه إلى الربّ الجليل، إنّما هـو استذكار لقصة ابني آدم  ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِـمَا وَلَـمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الاخَرِ قَالَ لأقْتُلَنَّكَ، قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾، ليتعلم منها درس الإخلاص والطاعة ويدرك ان الهدف من الإنفاق والبذل المادي، والتواصل الاجتماعي فـي البـر والإحسان، هو الوصول إلى حالة التقوى، وخشية الله في السـر والعلن، وليس لأجل المنافع الدنيـوية الخاصة بالفرد، وما يعود عليه من مكاسب اقتصاديـة أو اجتماعية أو سياسية ﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَـكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾، ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأوْلٰـئِكَ لَـهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِي الغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ .
وليتخذ من ذلك عبرة، بأن كل عمل لا يقصد به وجه الله خالصاً مخلصاً من دون شريك معه لا يتقبّل، ولا يحتسب في ميزان الصالحات.
كما أن في هذا الفداء الذي قدمه خليل الرحمن أُسوة وقدوة لما ينبغي أن تكون عليه الطاعة لله والتضحية في سبيله، بحيث لا يقف أمامها شيء، مهما كان غالياً وعزيزاً، من الأنفس والأموال والثمرات، وما خوله الله لعباده في الدنيا من إمكانيات وقدرات.

- وفي حلْق الشعر بعد تقديم القربان، إنّما هو تعبير عن اظهار العبودية للمولى بإذلال النفس المتجبرة كما يذل العبد بحلق رأسه، إلّا ان هذه العبودية للرب الرحيم والخالق العظيم هي حقيقة الكرامة والعزة للإنسان، لأنها تمثل واقع الحرية البشـرية الصادقة من جميع عبودية الإنسان للإنسان، وهي الانعتاق والتحرر من عبودية الهوى، والشهوات الواطئة، وقيود الدنيا وأسرها، وكل مصائد ابليس، وهو وسام له على سعيه وجهده لطاعة الله وابتغاء رضوانه فلابد للعباد من طاعة مولاهم ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلَا مُؤْمِنَة إِذَا قَضَـى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَـهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً﴾ .

   هذه الومضات المضيئة والإشراقات الملهمة، وغيرها كثير في الحج، إنّما تترك اثرها في نفس الحاجّ بما يتناسب واخلاص قلبه، وطهارة نفسه، وسعة عقله، ليكون للحجّ عمقه في وجدانه، ولذا تجدها باقية في نفسه شوقاً متجدداً لا يخمد أواره ولا تطفأ ناره إلى تلك الأوقات والساعات الشـريفة في الحج التي ابصر بها الهدى، واستشعر بها التقوى، كلما رحلت ذكرياته الى هناك.

   فمن الحجاج من يتخذ من الحج نقلة في حياته، وتغييراً لواقعه وقيمه وأهدافه، فعندها يكون قد تسامى الى ربه، وتأهل لتلك الدرجات العلى، والمراتب القصوى التي وُعِدَ بها من الله بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾

ومن الحجاج مَن يتأثر بالحج وقتياً، أو بمقدار محدود، فيستحق الجزاء على ما أنفق وبذل، وقدم وسعى، لينال الأجر والمثوبة على ذلك بمقدار الطاعة، ﴿مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾.
فكلاهما من أهل الضيافة التي دعا إليها الرحمن الرحيم، ووَعد عليها من فضله وكرمه، ولكن لكل درجة من الإكرام والعطاء تتناسب مع لياقته واستعداده، وامتثاله لأمر الله وطاعته.

   فلا عجب بعد ذلك أن يحتل الحج هذه المرتبة العظيمة في الإسلام، وأن يكون له مثل ذلك الثواب العظيم والتجارة المربحة، فهو سوق من أسواق الدنيا والآخرة، لعمارة قلب الإنسان وروحه، وفكره، واعادة تشكيل لقيمه وحياته.

   فجميع العبادات والواجبات (والحج أحد مصاديقها) المراد منها، هو الالتزام والعمل بالمفاهيم والقيم التي تتضمنها تلك العبادة، ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَر﴾ ،﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَـكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ ، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ﴾.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com