الحج في معانيه الايمانية    2
 

   تقدم ان الحج قيمته تتجلى بما يتضح للإنسان من فهم جديد لقيمة الحياة التي يبصر فيها بقلبه واقع الامور المتعلقة بالدنيا وزينتها ولهوها ولعبها ليعيد تكيفه في الاهداف والغايات التي يجعلها محورا لحياته، فبمقدار الوعي والادراك لعظمة الخالق وعجز المخلوق وبقاء الحي وزوال الميت وبمقدار الاستفادة الروحية والفكرية من الحج تكون غنيمة الحج الكبرى.
ان مثل هذه الحالات من المشاعر الإيمانية وحالات اليقظة والصحوة غالباً ما تفرض نفسها على الحاج، وهو يؤدي مناسك الحج والعمرة في كل موقف منه، وتوحي له بمفاهيم وقيم يهتدي بها في حياته، والتي ينبغي لكل حاجٍ أن يتفكر بها ويتدبر في معانيها.

- ففي إحرامه عند أول مناسك الحج، وهو يرتدي لباس الكفن معرضاً عن زينة الدنيا ومباهجها وما حُرِّم عليه منها خلال فترة الاحرام، انما هو تعبير عن التجرد من الدنيا وترك شهواتها ولذائذها، طاعة لله واستجابة لأمره، للدخول في رحلة الإخلاص والتوبة والسير إلى الله عبر مراحل الحج، حيث التوحيد الخالص والنفي لكل شريك معه.
   وهو تعبير أيضاً عن الإقرار بالبعث والنشور، والتسليم لله بكمال الملك والقدرة في جميع مقاديره في الحياة، وبجميع قضائه وقدره، ورزقه وتدبيره، وهو إقرار لله بأن كل خيرٍ في الدنيا والآخرة إنّما هو من فضله ونعمه وجوده وكرمه، فيلبّي عندها بصوت عال: (لَبَّيك اللَّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لا شريك لَكَ لَبَّيكَ، إنَ الحمدَ والنِعمة لَكَ والمُلك، لا شَريكَ لَكَ لَبَّيكَ)، تأكيداً للتوحيد والإخلاص وايذانا لِبَدءِ المسيرة إلى مغفرته ورضوانه، وضمن أوامره وشرعه في رحلة الحج.

- وفي طوافه حول البيت وهو يتناغم مع دوران الأرض وكواكبها ومجرتها مع الكون كلّه في محور التوحيد والعبودية والخضوع لله جل جلاله، إنّما هو تعبير عن السعي للوصول الى حالة التسليم والطاعة الكاملة لله، وجعل شريعته محوراً ومداراً للحياة، فكل الأعمال وكل الأفعال وكل الأقوال، مهما اختلفت اشكالها وطبيعتها ينبغي أن تكون في محتواها عبادة خالصة لله ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾

   فلا فرق بين عمل وعمل، وحال وحال، فكلها لله وكلها ابتغاء رضوانه، وكما عبر عنها أمير المؤمنين ع في دعائه: (حتى تكون اعمالي وأورادي كلها ورداً واحداً وحالي في خدمتك سرمداً)، فلا فرق بين العبادة، والتجارة، والدراسة، والرياضة، والزراعة، والصناعة، وغير ذلك من الأعمال، فكلّها باسم الله، وفي طاعته وضمن حلاله وحرامه، ومن أجل بلوغ رضاه ورحمته.

- وفي الصلاة خلف مقام ابراهيم ع بعد أداء الطواف، إنّما هو تعبير عن الاقتفاء لأثره في الإخلاص لله، والصمود والثبات على المبدأ، والصبر على المكاره في جميع مراحل الحياة، من الصبا الى الشباب الى الشيخوخة، من دون وهن ولا ضعف ولا استكانة كما وصفهم الله في عطائه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، فالتعب واليأس، والإخلاد للدنيا، مفاهيم بعيدة عن أولياء الله والسباقين إلى طاعة الله ﴿فَمَا وَهَنُوا لِـمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾

- وفي السعي بين الصفا والمروة سبع مرّات، إنّما هو تثمين للطاعة الكاملة والامتثال المطلق للأمر الإلهي، كما امتثل شيخ الأنبياء ابراهيم ع وزوجته المكرمة هاجر المرأة المؤمنة الصابرة، حيث امتثلوا لأمر الله وصبروا على قضائه، رغم صعوبة التكليف ومشقته، فهو تحسس لمعاناتهم في الهجرة والغربة والوحشة، والانقطاع الى الله، وصبرهم على عظيم البلاء والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل الله.
   كما أن السعي يمثل الإيمان والتصديق بتحقق الوعد الالهي في العاقبة الحميدة لعباده المخلصين، وفي إجابة دعاء عباده الصالحين ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْع عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ﴾.

- وفي الخروج لعرفة والمزدلفة إنّما هو تذكير ببعض صور القيامة التي تتجسد للحاج، من خروج الناس من أجداثهم في حالٍ واحدة، خالية من كل تمايز دنيوي، في لون أو عرق أو جنس أو تفاوت في وضعهم المالي أو الاجتماعي أو السياسي وغير ذلك من الاعتبارات الدنيوية، قد تركوا كل شؤون الدنيا وأحوالها، وتخلّوا عن أسمائهم وعناوينهم وألقابهم، وسلطانهم، وتمايزهم المادي والمعنوي، وروابطهم الأُسريّة، وعلائقهم الاجتماعية، فزعين الى الله، ومتضـرعين اليه، يرجون رحمته ويخافون عذابه، وكأنه في موقفه هذا سيصبح عن قريب منهم، أو قد أصبح واحداً منهم يجود بنفسه لخلاص نفسه، من يوم لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلّا دخلت في الحساب وفي ميزان الجزاء، ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هذَا الكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلَّا أَحصَاهَا﴾، فيشـرع عندها بالدعاء والتذلل والبكاء، والاستغفار والتوبة، عسى ان يكون من الناجين والفائزين يوم لا مالك إلّا الله، ولا ظلّ إلّا ظلّه كما قال الله في كتابه:
﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا﴾،،
﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ .
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾

وللبحث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com