الحج في معانيه الايمانية   1

 

   أياماً قلائل يقضيها الحاج، طائفاً حول بيت الله الحرام، ومصلّياً فيه، ومتجولاً في مواقع معينة مع واجبات هنا وهناك تؤدى في أيام عدة خلال فترة الحج، تضمن للإنسان مستقبلاً سعيداً خالداً في جنات الفردوس والنعيم، علاوة على ما تتركه من تأثيرٍ كبير في تحقق أمانيه واهدافه الدنيوية.

   فما هو سر ذلك الربح العظيم ؟ وما مغزى هذه المكاسب الهائلة ؟ والتي قد أكدها كتاب الله العزيز وتوالت فيها الروايات الصحيحة الموثّقة.

ما هو سر تلك المواقف والعبادات والأعمال الجليلة التي يعطي المولى عليها مثل هذا العطاء العظيم والهبات الخالدة ؟

   فأيام الحجّ ليست بأيام تختلف في طبيعتها الجغرافية عن الأيام التي تسبقها أو تليها، فالليل هو الليل، والنهار هو النهار، والساعات هي الساعات. وليست أعمال الحج من حيث كونها حركات وفعاليات بدنية تختلف كثيراً عن فعاليات الإنسان في عمله او نشاطه اليومي، من الحركة أو الهرولة او من حيث الجهد والمشقّة. وليس المكان في مكة مميزاً من الأرض من حيث تضاريسه وطبيعته الجغرافية، ومناخه، بل ربما كان العكس من حيث شدة الحر وخشونة الأرض، وجفافها وحرارتها، ومناخها الصحراوي القاسي. بل ربما كان الامتحان أقسى أصعب، حينما يرى الإنسان بيت الله أحجاراً عادية لا تضـر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، بنيت على شكل حجرة مستطيلة الشكل، بأوعر بقاع الأرض وأقساها طبيعة!! كما وصفها أمير المؤمنين.

   إذن ما هو سر هذه التجارة التي تُربح الانسان في حياته الدنيوية والآخروية هذا الربح العظيم عبر فريضة أوجبها الله على عباده ولو مرة في العمر عند الاستطاعة والمقدرة ؟

   لعله من الصعب الحديث عن هذه الأسرار فان كشفها وجلاء مضامينها يحتاج الى أولياء الله وحججه، ليكشفوا بصدق بصيرتهم وعمق علمهم وسعة حكمتهم عن ذلك، ولكن قد يمكن للمرء أن يتحدث عن بعض جوانب الحج الخفية التي تتضح له، بقدره هو لا بحقيقتها وكل أبعادها ومضامينها.
ان من الممكن القول أن سرّ هذا العطاء الرباني العظيم هو ما يحدثه الحج من تغير كبير في نفس الحاج ، وانعكاس ذلك على دينه ودنياه.

   وبكلمة أدق ان سر العطاء يكمن في طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق، والعبد وربه، خلال أداء مناسك الحج وأعماله، وما ينتج عن فهم لهذه العلاقة وابعادها الروحية والعقلية. فهناك يكتشف المخلوق عظمة الخالق، ويحسها في نفسه، ويبصـر بعض جوانبها واشراقاتها في كيانه، ويستشعر لذتها وبهجتها وهداها في ذاته، حين يتجرد الإنسان من ذاته ويخلص لله خلال أعمال الحج ومناسكه، فلا يرى غير الله أولاً وآخراً في جميع الأعمال والأفعال والأحوال خلال مناسك الحج.
   هناك تتضح له حقيقة نفسه، ويدرك ضعفه وفقره، ومحدوديته وقصوره، وكثرة أخطائه وجهله، وطيشه وغروره، وتنكشف له حقيقة أفعاله، وهول معاصيه وآثامه، ومدى محدوديته وسطحية فكره وغاياته.
هناك يدرك واقع الدنيا ووهمها، وخداعها وسرابها، وزخرفها وزينتها، وأهوائها المضلة، وعلائقها الكاذبة، وموازينها الزائلة، وأجلها المحدود، وعمرها القصير وعيشها الحقير.
   وهناك يذوق حلاوة الطاعة، ويشـرب عذب رحيق الهدى، ويعيش مع أنبياء الله وحججه، وشهوده على خلقه، مهتدياً بهداهم، مقتفياً آثارهم، متنسّماً أنفاسهم، مقتدياً بأعمالهم وأخلاقهم، متلمّساً ومتذوقاً معنى السعادة ومفهومها الواقعي.
   فإذا استوعب الإنسان هذه المعاني، وعرف ربّه، وعرف نفسه، وعرف دنياه وآخرته، حين ذاك، تكون العلاقة بين الربّ والمربوب، والخالق والمخلوق، والرازق والمرزوق، والقوي والضعيف، والدائم والزائل، والحي والميت، والإلٰه والعبد، قد وُضعت في مسارها الصحيح ومفهومها الحقيقي.
حين ذاك تعرج النفوس الى عوالم القرب الإلهي، والمعرفة الربانية، فتنعم بعطاء الله في الدنيا والآخرة من الربّ الجليل الرحيم.

   فلا شك أن من أهم أسرار ذلك العطاء الإلٰهي العظيم لحجاج بيته هو ما يحدث للحاج من صهر لروحه، وإعادة تشكيل لعقله، وتجديد لقيمه ومثله، التي يرجوها في حياته وبعد مماته، خلال رحلة الحج والإيمان. فهناك أن يعيش ساعات الإخلاص، فتنفتح بصيرته، ويبصـر بقلبه، واقع الأمور المتعلقة بالدنيا وزينتها، ولهوها ولعبها، وقصرها ومحدوديَّتها، فيدرك حقيقة الحياة، ويعيد تكيّفه معها، ويحسن الاستفادة من مدتها المحدودة ومهلتها القصيرة التي قال الله عنها:
﴿اعلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهوٌ، وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ، وَتَكَاثُرٌ فِي الأَموَالِ وَالأَولاَدِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً، وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ، وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ﴾
   فكل الأماني والآمال في الحياة هي سراب إلا ما كان ينفع في الآخرة. وكل الحياة لهو ولعب يتركه الإنسان خلفه كما يترك الطفل لُعبه بعد الفراغ منها، فلا مُلك يَنفع، ولا مَال يبقى، ولا سُلطان يدوم، ولا أي شيء من أشياء الدنيا المادية يبقى، إلا ما قدمه من عمل صالح ينتقل معه إلى دار القرار، كما اخبر الله عنه بقوله: ﴿وَالعَصرِ، إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسـرٍ، إلَّا الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصَّالِحاتِ وَتَوَاصَوا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوا بِالصَّبرِ﴾

    ومن هنا يدرك الانسان المعنى الذي ينبغي أن يكون لحياته، وحقيقة الأهداف التي ينبغي أن يسعى لها، ليصنع من ذلك محوراً جديداً وثابتاً لحياته، يحقق فيه الربح الدائم الذي لا خسارة فيه، والعاقبة الحميدة التي لا ضياع فيها، هو محور رضا الله والتقرب إليه في جميع أمور الحياة ليجعل منه المقياس والميزان في الأعمال كلها.
   وبمقدار هذا الإدراك والتوجه الجديد في الحجّ تكون عظمة الجزاء والعطاء، وغنيمة الحجّ الكبرى، كل بمقدار وعيه وعقله وعلى قدر استفادته الروحية والفكرية من الحجّ.

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com