معرفة الله     4

 

عن امير المؤمنين في تتمة حديثه عن صفات الله قال:

لاَ شَبَحٌ فَيُتَقَصَّى، وَلاَ مَحْجُوبٌ فَيُحْوَى، لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الاْشْيَاءِ بِالْتِصَاق، وَلَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاق، (اي ان الله سبحانه ليس له وجود مادي كالموجودات التي خلقها وأوجدها سواء في الارض او السماء، فهو ليس شبح كالأشباح المادية فيترك اثرا في اعماله ليستطيع الانسان ان يتتبع اثاره وافعاله، ولا هو شيء عليه حجاب فيتمكن الانسان من محاصرته وكشف الحجب عنه، فهو قريب من الاشياء محيط بها كما في قوله تعالى:
(وَلِله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا)، (أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ)، الا انه يختلف عن خلقه، فهو في كل الاوقات والاحوال معهم، وقد احاط علمه بكل حركاتهم وسكناتهم واقوالهم وافعالهم، بل حتى ما انطوت عليه سرائرهم واعماق نفوسهم كما في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)، (وَاللهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ)، الا ان هذه الاحاطة هي ليست بالتصاق قريب، ولا هي بتباعد منفصل، فهو قريب غير متصل، سميع بصير من دون جارحة او اداة للسمع والبصر ( إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)، وهو كما قال عن نفسه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )

وَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَة (وشخوص اللحظة وهو امتداد البصر الى الشيء بلا حركة من جفن، اي ان الله لا يخفى عليه ما تقع عليه العين حتى اذا لم يتحرك جفن ولم ترمش عين)،

وَلاَ كُرُورُ لَفْظَة، (ولا يغيب عن الله الكلمة الواحدة ولا اللفظة التي تصدر من الانسان في جميع الاحوال)،

وَلاَ ازْدِلاَفُ رَبْوَة، (فلا يخفى على الباري ارتفاع في الارض ولا انخفاضها فكل شيء مكشوف امامه)،

وَلاَ انْبِسَاطُ خُطْوَة فِي لَيْل دَاج، (فكل ما يتحرك في الليل الشديد الظلمة {وهو معنى داج}، لا يخفى عنه سبحانه)،

وَلاَ غَسَق سَاج (والغسق هو اقبال الليل والمراد به السكون للأشياء وعدم حركتها في الليل فجميع تلك الحركات او السكون للأشياء هي مكشوفة لله سبحانه)،

يَتَفَيَّأُ عَلَيْهِ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ ( وكل ما يظله القمر في الليل يراه الله سبحانه)،

وَتَعْقُبُهُ الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ فِي الْكُرُورِ وَالاْفُولِ (وكل ما تظله الشمس في شروقها وغروبها لا يخفى على الله سبحانه، {الافول هو تعبير عن مغيب الشمس، والكُرُور اي رجوعها بالشروق بعد الغروب}، وهو ما يعني ان الله سبحانه عليم بما كان ويكون او كما قال في كتابه الكريم: ( اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)، وهو ما قال عنه الامام الحسين في دعاء عرفة: [الهي انا الجاهل في علمي فكيف لا اكون جهولا في جهلي]، فمهما احاط به الانسان من درجات المعرفة النسبية هو لا شيء بالنسبة الى المعرفة الالهية التي تحيط بكل خلقه قبل الخلق وبعده، وكلما ازداد الانسان علما كلما ازداد جهلا بما يفتحه الله عليه من افاق العلم، فالعالم يرى نفسه انه لا يعلم من العلم الا القليل فكيف اذا لم يكن له حظ من العلم الا اليسير؟

اللهم نور قلوبنا بنورك واكشف عنها حجب الذنوب والمعاصي لترى عظمة جلالك ورحمتك الواسعة انك سميع مجيب

🌿مع اطيب التحيات من🌿
      نبيل شعبان

  

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com