معرفة الله    3

 

عن امير المؤمنين في تتمة حديثه عن صفات الله عز وجل قال:

لاَ يُقَالُ لَهُ: «مَتَى»؟ (اي ان الله سبحانه لا اول له فيكون له عمر زمني، فالزمن يجري على الاشياء المخلوقة، اما الله جلّ جلاله فانه كان موجودا قبل خلق الخلق وقبل الزمان والمكان، فالذي يحسب عمره بالزمان وما يجري عليه من التغيرات المادية حتى فنائه انما هو المخلوقات التي خلقها الخالق واوجدها من العدم، اما الله سبحانه وتعالى فلا يقال له متى المتعلقة بالزمن ولا يسأل عن زمن وجوده).

وَلاَ يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ «بِحَتَّى»، (فالخالق الذي كان موجودا وحده قبل الخلق وبما هو عليه من الحياة والعلم والقدرة وبقية الصفات التي ذكرها في كتابه، فان بقائه يستمر كذلك حتى بعد فناء الخلق جميعا، فهو الخالق السرمدي الموجود قبل القبل وبعد البعد، ولا دخل للزمن علي وجوده في كل الاحوال).

لاَ يُقالُ: «مِمَّ»؟، (اي لا يسأل عن كيفية وجوده، فهو موجود بذاته وبكل ما هو فيه من الصفات المتعلقة به، من العلم بكل شيء، والرحمة بكل شيء، والقدرة على كل شيء، والقوة على كل شيء، وبقية الصفات التي يفتتح بها امير المؤمنين الدعاء المعروف بدعاء كميل (نسبة الى مصدر نشره)، فالله موجود لذاته بذاته، وكل ما في الكون هو فيض منه ودليل على قدرته وحكمته وتدبيره والائه).

وَالْبَاطِنُ لاَ يُقَالُ: «فِيمَ»؟، (فالله سبحانه هو الباطن لكل ما يظهر في الوجود، فهو الذي اوجده وصنعه بما هو عليه من الهيئة والحركة والحياة والموت، فلا يوجد شيء الا ويحكي في باطنه عن الارادة والايجاد الالهي، ولذا ورد عن الامام الحسين ع في دعائه في يوم عرفة الذي يتحدث فيه عن معرفة الله وفي الجزء الاخير منه فيقول :

[الهي علمني من علمك المخزون، وصني بسترك المصون، الهي حقّقني بحقائق اهل القرب، واسلك بي مسلك اهل الجذب]،

فلو ترك الانسان بما هو عليه من المعارف الدينية البسيطة فانه لن يصل الى ما وصل اليه اولياء الله واحبائه من معرفة الله والتنعم بهذه المعرفة في الدنيا والاخرة، ولذا يطلب الامام من الله ان يكشف عنه الحجب ويفتح عليه من افاضاته التي تكشف لقلبه عظمة الخالق وبديع صنعه، فمن يتحقق في قلبه معرفة الله فانه لا يخرج عن طاعته ومخالفة اي امر من اموره، ولذا فان علامة القرب من الله للمطيعين لا تتجلى بالشكل والمظهر من اللباس والهيئة والتمشدق بالكلام، وانما بالطاعة الواعية وتقديم ما فيه رضا الله عن رضا سواه، اما اهل الجذب الذين يذكرهم الامام بدعائه فهم الذين انعم الله عليهم بالتوجه اليه وحده دون الاخرين فالجذب هو الشد باتجاه الاقتراب والمراد منه في الدعاء هو الطلب من الله ان يجذب قلب عبده نحو الارتباط به والتعلق بحبه كما فعل بعباده المُخلصين من الصالحين والاولياء والصديقين الذين فتح الله قلوبهم لحبه ومعرفة السبيل الى رضاه والفوز بجنته، اللهم صل على محمد وال محمد واحشرنا معهم ولا تفرق بيننا وبينهم ابدا انك سميع مجيب.

وللكلام تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com