معرفة الله    2

 

في تتمة امير المؤمنين ع لحديثه عن صفات الله جل جلاله قال:

[حَدَّ الاْشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا (اي جعل لكل شيء من خلقه حدودا وصفات وبدايات ونهايات توضح خلق الله فيه، وما يجري عليه من التغيرات والتحولات ثم الفناء في نهاية الامر دليلا بينا على انه مخلوق وان له خالقا قديرا مدبرا عليما، وان جميع المخلوقات تختلف عن خالقها، ليكون ذلك تميزا لذاته المقدسة في عدم شبهها لغيرها من مخلوقاته)،

لاَ تُقَدِّرُهُ الاْوهامُ بِالْحُدُودِ وَالحَرَكَاتِ، وَلاَ بِالْجَوَارِحِ وَالاْدَوَاتِ، (فحقيقة الذات الالهية المقدسة لا يرتقي اليها فهم المخلوقين ولا يدركون ماهيتها مهما بلغ بهم العلم والمعرفة، بل حتى ان الاوهام والتخيلات تعجز عن بلوغ ذاته المقدسة التي قال الله عنها في كتابه: (ليس كمثله شيء)، فان كل ما يدركه البشر هو مما عرفه في عالمه الذي يحيط به بالمقارنة او المشابهة او التخيل القريب او البعيد، اما ما غاب عنه من الاشياء التي لم يرها او لم يكن لها شبها مثلها فانه يعجز عن ادراكها وتصورها، وكذا هو الحال في معرفة الذات الالهية المقدسة. فالحدود والحركات للشيء من خلق الله انما تكشف عن قدرة وقوة وعلم الخالق العظيم وتدبيره لخلقه، الا انها لا تكشف شيئا عن ماهية ذاته، كما ان جوارح الانسان وادواته ووسائله العلمية التي تكشف له عما يريد معرفته والوصول الى تفاصيله، فإنها تتعطل جميعا وتعجز عن معرفة ماهية الخالق جل جلاله، الذي لا يدرك باللمس او البصر او السمع، فمن يعجز عن رؤية مخلوقات مثله من الملائكة او الشياطين في عالم الدنيا قبل الموت، كيف يتسنى له رؤية الخالق العظيم او معرفة صفاته؟ مع ان الصفة هي غير الموصوف، فلا يكون للإنسان وسيلة الى معرفة ربه الا ما عرف به نفسه في كتابه الكريم وعبر احاديث انبيائه وحججه التي توضح هذه الحقائق، ومنها ما يتعرض له في حديثه عن الصفات الربوبية التي ستلي تباعا، ولذا قال الامام الحسين في مناجاته في يوم عرفة: [الهي هذا ذلي ظاهر بين يديك، وهذا حالي لا يخفى عليك، منك اطلب الوصول اليك، وبك استدل عليك، فاهدني بنورك اليك، واقمني بصدق العبودية بين يديك]،فمن دون الهداية الالهية من الله لعبده فان الانسان يضل عن طريق الله وهو يحسب نفسه من المهتدين كما في قوله تعالى: ( وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ)

اللهم نور قلوبنا بنورك ولا تجعلنا من الغافلين ولا من الضالين

وللكلام تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com