المهدي وعد الله الصادق    5
 

   تقدم الحديث في الحلقات السابقة عن المهدي في كتب الشيعة والسنة واتفاق الجانبين على ظهوره في اخر الزمان بعد انتشار الظلم لإحياء الدين وان هناك علامات التي تسبق ظهوره عند الجانبين، الا انه لكثرة ما ورد من احاديث حول خروج المهدي والفتن في اخر الزمان، والخلط بين الامارات الحتمية وغيرها من الامارات العامة او اخبار الفتن، فانه ينبغي توضيح الموقف من هذه العلامات ليكون القارئ على وعي فيما يقال ويدعى من وقت الظهور او قيام المهدي في نهضته المباركة.

الموقف من علامات الظهور

   يتفق معظم العلماء والمحققين في هذا المبحث ان هناك علامات حتمية خمس تسبق ظهور الامام ولابد من وقوعها، (وهي في بعض الروايات انها سريعة الحصول وتكاد ان تكون في مدة حمل المراة اي تسعة اشهر)، اما الروايات الاخرى التي تحكي التفاصيل والتي تناولتها كتب الملاحم والفتن فهي لا يمكن التعويل عليها وفيها كثير من الخلط والاضافات والتغيرات والافتراءات على رسول الله واهل بيته، وهي لا تعدو عموما عن احاطة البلاء بالأمة الاسلامية خاصة وبالعالم عامة وتتمركز في المنطقة العربية ولا فائدة من الخوض في تفاصيلها وتبعد الباحث عن اصل الموضوع في فهم القضية المهدوية.

   كما ان الشيء المهم في العلامات الحتمية هو انه لا يمكن التوقيت بها، فقد نهت بعض الروايات عن التوقيت تحت عنوان (كذب الوقاتون)، فلا يستطيع اي شخص ان يدّعي بأن ظهور الامام سيكون في السنة الفلانية او الوقت الفلاني اعتمادا على تطبيق الروايات في ذهنه واعتبار ان الاحداث الجارية هي من علامات الظهور، فحتى لو كانت بعض الاحداث مشابهة لما ذكر من اخبار الظهور، كازدياد الظلم او اجتماع الروم والاتراك قرب العراق او الخراب في سوريا وما حولها او حدوث الحروب المدمرة، فان هذه العلامات وان كانت يعتبرها البعض مقدمات للظهور الا انه لا يمكن البت بها والقطع بانها من علامات الظهور،

   فكثير من هذه العلامات قد حدثت في الزمن الماضي من قبل مئات السنين ولعدة مرات ولم يحدث بعدها خروج الامام المنتظر، اذ لابد من تحقق الظروف العالمية التي تهيئ للإمام القيام بدوره الالهي المعد له في تغير العالم، فقيام الامام الذي يمثل حجّة لله هو أمر الهي كأرساله للأنبياء والرسل وهو ما وعد الله به عباده بقوله: [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ.]، ولذا كان التكذيب للوقاتون الذين يتحدثون عن التوقيت الالهي لهذا الامر!

   كما ان اجتماع العلامات الحتمية يكون سريعا كانفراط حبات العقد ولا تبدأ الا بدعوة الامام في الاعلان عن لنفسه من بيت الله الحرام والذي يتلوه الصيحة في السماء وما تضمنته الروايات في تفاصيلها والذي سيكون حدثا عظيما تهتز له الدنيا ويكون في صدر الاخبار العالمية في كل مكان.

    ومن هنا يلزم المؤمنون المعتقدون بهذا الامر ان لا يضيعوا في الاخبار الجانبية السياسية وفي تطبيقها على علامات الظهور، والاولى بهم ان يعمّقوا معرفتهم في القضايا الايمانية التي تتحدث عن ضرورة وجود الحجة لله في كل زمان وما سيقوم به الامام المهدي المنتظر في هداية العالم واقامة الدين الحق كما انزله الله على نبيه المصطفى،

   كما ان المهم كذلك هو ان يعرف شيعة الامام والمنتظرين له في الغيبة معنى الانتظار الايجابي الذي يتضمن اصلاح النفس والثبات على الهدى والايمان والاستقامة على الحق والاستعداد الروحي والفكري والعقائدي والنفسي لنصرته في كل المجالات الاجتماعية الفكرية والسياسية والاعلامية والمالية وتهيئة الموالين له بشكل خاص والعالم بشكل عام لهذا الحدث العظيم والوقوف معه قولا وعملا، فمن يريد ان يكون مع الامام لابد وان يصلح نفسه اولا فإنما سيكون خروج الامام لأجل اصلاح النفوس وتعبيدها لله وارجاع الدين الى صفائه ومفاهيمه التي كانت في عهد رسول الله وازالة الرين الذي لحق به من عمل الظالمين والمنحرفين عن دين الله،

    فما الامام المهدي الا حلقة من سلسلة الحجج المنتجبين والمصطفين الذين ارسلهم الله برحمته وفضله لهداية الناس ليفوزوا بجنة الخلد ونعيمها الدائم الذي اعده لهم في الدار الاخرة (ذَٰلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com