المهدي وعد الله الصادق    13
 

   تقدم الحديث ان افضل الادعية التي تتحدث عن مقام المهدي ودوره المستقبلي هو ما ورد في دعاء الافتتاح الصحيح سندا ومتنا والذي كان يدعوا به الشيعة من العلماء والموالين منذ عقود طويلة ولشرح بعض ما تضمنه الدعاء من معاني فانه ينبغي التوضيح ان الدعاء وان كان يتعلق بالإمام المهدي ع وما سيكون في عهده من تغير شامل لحال البشرية الا انه يتضمن كثيرا من المفاهيم التي ينبغي للداعين ان يتحلّوا بها في زمن الغيبة ليكون لهم شرف القيام بنصرة المهدي في القول والعمل وفيما يلي شيء من التوضيح لبعض عباراته :

- (اَللّـهُمَّ ما عَرَّفْتَنا مِن الْحَقِّ فَحَمِّلْناهُ)

   فمعرفة الحق سهلة ميسورة إذ بإمكان الانسان أن يستمع بقلبه إلى حديث أو يقرأ كتاباً أو مقالاً او يجري بحثا حول موضوع ما فيعرف الحق ويميزه عن الباطل، إلا ان التكليف الأكبر هو تحمل هذا الحق والعمل بلوازم الحق الذي عرفه، وإلا أصبح هذا الحق حجة عليه يوم القيامة، والحق المراد به في الدعاء هو قيام حجة الله المهدي في اخر الزمان بتطبيق شرع الله الذي نزل به خاتم الانبياء ليقيم دولة العدل الالهي الذي وعد الله به عباده كما اوضح في كتابه وتحدثت به رسله وحججه

- (اَللّـهُمَّ الْمُمْ بِهِ شَعَثَنا)

 اي ما تفرّق به من امرنا، والشَعث يعني: التناثر والتشرذم والتشتت الذي يمزق المجتمع بعضه عن البعض الآخر وهو الحالة التي تسود المجتمع اليوم الا انها تشتد في زمن الظهور حيث يكون الناس في امواج الفتن الشديدة التي تجعلهم في اراء ومواقف مختلفة.


- (وَاشْعَبْ بِهِ صَدْعَنا)

 الصدع هو الشق كناية عن التفرق والاختلاف الواسع والكبير في صفوف الامة حيث تفتقد القيادة الجامعة التي تجمع مختلف المذاهب والطوائف، والمراد بالعبارة (وَاشْعَبْ بِهِ صَدْعَنا) هو ان يجعل الله هذا الشق ملتئما باجتماع القلوب وتوحدها على طاعة الله والعمل بتعاليم حجته، فالتفرّق والتصدع موجود اليوم في كل مكان، فكل جماعة تتمزق إلى قوميات وتكتلات مختلفة بعناوين مذهبية او دينية او اقليمية حتى ان الجماعة الواحدة تعيش بنفسها من دون ارتباط جذري ببقية اجزاء الامة، وكل فرقة تعتبر نفسها انها هي الفرقة الناجية!

- (وَارْتُقْ بِهِ فَتْقَنا)

 الرتق هو ضد الشق والمراد به سد الحاجات والنواقص التي تعيشها الامة الاسلامية في مختلف الجوانب حيث يكون بظهور الامام المهدي وقيادته الحكيمة للامة سيادة السلام والامن والرفاهية الاقتصادية والاخلاقية التي تعم العالم وتبدل المعاناة البشرية التي كانت من الطواغيت والظالمين.

- (وَكَثِّرْ بِهِ قِلَّتَنا، وَاَعْزِزْ بِهِ ذِلَّتَنا)

 وهو اشارة الى حالة الأمة قبل الظهور، وهي حالة الصدع، والفتق، والذلة التي تهيمن عليها، وقد اخبر النبي الأكرم (ص) بهذه الحالة حيث قال: يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الآكلة الى قصعتها (اي كما يسرع الاكل في التهام طعامه) فقالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا، إنكم يومئذ لكثير ولكنكم كثرة كغثاء السيل.
اي ان عدد المسلمين كبير، ولكنهم مسلمون بالاسم فقط فالكم وحده من دون النوعية الصالحة لا قيمة له اذ هو كغثاء السيل او ما يطفو على السيل الجارف من الاوساخ والحطام عند فيضانه.


- (وَتَجْعَلُنا فيها مِنَ الدُّعاةِ اِلى طاعَتِكَ، وَالْقادَةِ اِلى سَبيلِكَ)

 وهو الطلب من الله عز وجل أن لا يجعلنا من الدعاة إليه فحسب، وإنما يجعلنا من القادة إلى سبيله الله كما ذكر في كتابه عن اوليائه [وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا]، وهو ما يتطلب من المؤمن الذي يريد أن يكون قائداً إلى طاعة الله عز وجل، ان يكون هو ملتزما بهذه المفاهيم وممتثلاً لأوامر الله عز وجل ونواهيه ليكون داعياً إلى الله عز وجل بغير لسانه كما ورد في الحديث عن اهل البيت: (كونوا لنا دعاة بغير ألسنتكم)،

ومن هنا كان حديث الامام الباقر ع لجابر في بيان معنى التشيع الحقيقي فقال:

[يا جابر ! أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبنا أهل البيت ؟.. فو الله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يُعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشّع والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبرّ بالوالدين، والتعهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة، والغارمين، والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء (بمعنى انهم كانوا القدوة في المكارم الاخلاقية التزاما وعملا) ثم قال ع: فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى الله عزّ وجلّ وأكرمهم عليه أتقاهم وأعملهم بطاعته،.. فوالله ما يُتقرّب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على الله لأحد من حجة، من كان لله مطيعاً فهو لنا وليُّ، ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدوّ، ولا تنال ولايتنا إلاّ بالعمل والورع].

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com