المهدي وعد الله الصادق    10
 

   تقدم الحديث عن ضرورة البناء الايماني والنفسي الصحيح لمن يحمل الراية المهدوية فقد تقدمت الروايات عن اهمية وجود الحجة في الارض وان من لم يعرف امام زمانه مات ميتتة جاهلية، مما يستدعي معرفة دور حجة الله في الارض عموما من نبي او ولي معصوم وموقعه في الشريعة وفي حياة الناس وهو ما تناولته آيات عدة وخاصة ما ورد في سورة القدر، فمن يتأمل في سورة القدر في قوله تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) يجد فيها ان النبي او الحجة لله في ارضه هو مركز لفيوضات الهية كونية يعجز العقل العادي عن ادراكها ويتجلى ذلك في الاحاديث النبوية التي تكشف عن علم الرسول مما افاض الله عليه من علمه سواء في امور الاخرة او امور الدنيا والتي كشفت عنها سورة القدر من ان الملائكة وروح القدس ينزلان في ليلة القدر لإخبار رسول الله عما جرى به قضاء الله لخلقه خلال عام الى ليلة القدر القادمة، فانه وان كان الله جل جلاله عالما بجميع الامور قبل الخلق وبعده وقد اخبر بعمومياتها في كتابه الكريم الا ان قضاء الله وقدره الفعلي في الارض لا يعلمهما الا هو، وهو ما يتحف به رسوله الكريم وحجته من علم يتنزل عليه في ليلة القدر (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ).

  ومن الملاحظ ان صيغة التنزل صيغة مضارعة تفيد الاستمرار، أي انه كلما كانت هناك ليلة القدر في شهر رمضان نزلت الملائكة وروح القدس الى الارض، والسؤال المهم هو بأي شيء تتنزل؟ وعلى من تتنزل بعد وفاة النبي؟

   وهو ما بينته احاديث المعصومين من انها تضم كل أمر من الأمور المقدرة للخلق وللموجودات وتتنزل على حجة الله في ارضه، فلا يمكن للأرض ان تخلو من حجة ، علما بان "كل" أداة تعميم تفيد العموم اي انه في ليلة القدر تتنزل فيها الملائكة وروح القدس بإذن الله بكل الأمور فتخبر حجة الله عن جميع الامور الخاصة والعامة التي كان في قضاء الله وقدره انها تقع على الارض، وإلاّ لكان نزول الملائكة بالوحي والمقدرات بدون داعٍ لغواً وعبثاً، ومن هنا يعلم كذلك ان تحديد موعد اعلام الحجة عن نفسه للقيام بالمهام الموكلة اليه انما يتم بإذن الله، وان الاخبار التي يتحدث بها الوقاتون لظهور المهدي ليس لها قيمة علمية.

   ومن هنا قد يثار سؤال عن عمل الحجة المهدي ووظيفته وهو في غيبته رغم انها كانت بأمر الله؟ والجواب هو ان لحجة لله مقام الشاهدية في يوم القيامة التي اشار الله فيها الى النبي بقوله: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا)، اضافة الى دوره الخفي في وجوده على الارض وهو ما عبر عنه في الروايات كالشمس خلف السحاب، ففي حديث رسول الله والامام الصادق والامام المهدي في بعض توقيعاته قد افادت جميعا بنفس المفهوم من ان وجود المهدي في غيبته هو كالشمس التي غيبتها السحب، وهو تشبيه لطيف بالشمس المجلّلة او المغطاة بالسحاب (وجميع هذه الاحاديث مذكورة في كتاب كمال الدين)،

   ففي الحديث عن رسول (ص) عن مجريات الاحداث في المستقبل وعن غيبة المهدي قال له سائل فما وجه الانتفاع بالإمام في غيبته؟ فقال النبي(ص):

[والذي بعثني بالنبوة إنهم ليستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلّلها سحاب].

    كما ورد في الحديث عن الامام الصادق ع قوله:

[ينتفعون به كانتفاعهم بالشمس إذا سترها السحاب].

وفي التوقيع الشريف عنه المنقول عبر سفرائه عند استفسار بعض شيعته عن وجه الانتفاع به في الغيبة قال:

[الانتفاع بي في غيبتي كالانتفاع بالشمس إذا غيبتها عن الأبصار السحاب].

   وهو من أجمل أنواع التشبيه، اذ ان للشمس الدور القيادي في جميع المنظومة الشمسية خاصة وفي الكواكب الكونية عامة، فلولا الشمس ولولا جاذبية الشمس التي جعلها الله فيها لاختلّت حركة المنظومة الشمسية التابعة لها، وكذلك وجود الإمام الحجة له الدور القيادي في المسيرة الالهية لخلقه في الارض ولولاه لساخت الأرض بأهلها كما مر في الاحاديث السابقة.

   وكذلك من حيث وجوده في الارض فكما يستفاد من الضوء والحرارة والمؤثرات الشمسية من هطول المطر وما يسببه من خيرات وبركات عامة فان وجود الامام هو كنور الشمس ينتفع به ولو كانت خلف السحاب، بمعنى إنه ينوّر العالم بوجوده ولولاه لظلمّت الدنيا بما يرتكب فيها من طغيان الانسان وجوره ولما كان فيه من بصيص امل للمستقبل.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com