الرجاء الكاذب   6
 

عن امير المؤمنين ع في تتمة خطبته عن الرجاء الكاذب وصفات المتلبسين به من فقدانهم للقناعة والرضا بما قسم الله لهم من فضله، حيث اوضح ع الاثار السيئة التي تنتج عن قلة القناعة فقال في حديث اخر:

‏«آفة الورع قلة القناعة».‏

   ‏اي ان عدم القناعة والرضا برضا الله يؤثّر على ايمان الانسان وتقواه ويتيح للشيطان ان ينفذ في اعماق نفسه ويزين له حب الدنيا ‏مما يؤدي ذلك الى حصول العقد والامراض النفسية والتي تؤدي الى تآكل الدين وتكدر المعيشة وتعاستها.

وقد اوضح رسول الله ﷺ معنى القناعة بكلمات قلائل فقال:‏
‏«إنما ابن آدم ليومه، فمن أصبح آمنا في سربه، معافا في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما خيرت له الدنيا»

اي كأنما اختار الله للإنسان افضل نعم الدنيا عندما اعطاه ثلاثة اشياء وهي :الامن، والعافية، وحيازة قوت يومه، اذ يكفي الانسان من الدنيا يومه الذي فيه، فهو لا يعلم مصيره غدا فهل سيكون من اهل الدنيا او الاخرة. ‏

وفي الحديث عن رسول الله ﷺ في رواية اخرى قال:‏
‏«من أصبح آمنا في سربه، معافا في بدنه، وعنده قوت يومه، فإنما حيزت له الدنيا بحذافيرها»

اي ان الامن والعافية والرزق اليومي هو غاية احتياج الانسان في يومه الذي يعيش فيه فلا ينبغي ان يعيش هم المستقبل، فكما دبّر الله امره فيما مضى فسيدبّر امره فيما بقي من العمر.‏

وهو ما بيّنه الامام الصادق ع في حديث عن معنى القناعة فقال: ‏
‏«انظر إلى من هو دونك ولا تنظر إلى من هو فوقك، فكثيرا ما قال الله عزّ وجلّ لرسوله: ﴿ولا تعجبك أموالهم ‏ولا أولادهم﴾ (اي لا يوجد خير ولا بركة في الاموال والاولاد لهذا النوع من الناس الذي يغلب عليه ‏حب الدنيا)، وقال عزّ ذكره: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا﴾ (اي لا تتمنى ‏ما هم فيه من النعيم في الظاهر فان هذا المتاع سرعان ما سيزول وينتهي ولن يبقى عند الله الا ما ادخره ‏الانسان لأخرته)، فان نازعتك نفسك إلى شيء من ذلك (اي الى متاع الدنيا) فاعلم أن رسول الله ﷺ كان قوته ‏الشعير، وحلواه التمر، ووقوده السعف»‏‏ (بمعنى اتخذ من رسول الله اسوة وقدوة في حياتك اليومية). ‏

وقد بين الامام الرضا ع اثار القناعة الايجابية فقال:‏
‏«القناعة تجتمع إلى صيانة النفس وعز القدر (اي ان من خصائص القناعة انها تصون النفس عن ذل الحاجة ‏وترفع من قدرها ومنزلتها عند الناس)، وطرح مؤونة الاستكثار والتعبد لأهل الدنيا، (فهي تخلّص الانسان من ‏عناء الجمع والاستكثار والتذلل لأهل الدنيا وذوي القدرة)، ولا يسلك الطريق القناعة إلّا رجلان إما متعبد ‏يريد أجر الاخرة، أو كريم متنزه عن لئام الناس».‏

ثم بين ع ان الراضي القانع بما قسمه الله له من العيش يفوز بخفة الحساب يوم القيامة فقال:‏
‏«من رضي من الله عزّ وجلّ بالقليل من الرزق رضي منه بالقليل من العمل».‏

وهو ما اوضحه امير المؤمنين ع من ان الزهد في زينة الدنيا يتطابق في مفهومه العملي مع القناعة فقال:‏
‏ «ازهد في الدنيا يبصـرك الله عوراتها، ولا تغفل فلست بمغفول عنك»‏

وقال ع في معنى الزهادة بانها تتلخص بالأمور التالية:‏
‏ «الزهادة قصر الامل (اي توقع قرب الاجل وانتهاء الحياة الدنيا والذي يعني ان النفس لن تتعلق بشـيء ‏ستفارقه عما قريب)، والشكر عند النعم (بمعنى الشكر لله على دوام نعمه وتجددها وخاصة النعم الايمانية)، والورع عند المحارم (اي ‏غلبة التقوى والامتناع عن محرمات الله)، فان عزب عنكم ذلك (اي ان بعدت عنكم هذه المفاهيم لمعنى ‏الزهد) فلا يغلب الحرام صبركم (اي ليكن صبركم على طاعة الله اقوى من شهوتكم ليكون قادرا على منعكم ‏عن فعل المحرمات او الخوض فيها)، ولا تنسوا عند النعم شكركم، فقد أعذر الله إليكم بحجج سافرة ‏ظاهرة».‏

وفي خاتمة موضوع الزهد الواقعي وليس الزهد الكاذب فقد قال امير المؤمنين ع عن حقيقة الزهد ما يلي :
‏«الزهد كلمة بين كلمتين من القرآن، قال الله سبحانه: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم﴾، ‏فمن لم يأس على الماضي، ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه».‏

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com