الرجاء الكاذب    5
 

عن امير المؤمنين ع في تتمة خطبته عن الرجاء الكاذب وصفات المتلبسين به قال:‏

‏[إن أعطي منها لم يشبع وإن منع منها لم يقنع].‏

اي ان من صفات المتلبسين بالرجاء الكاذب ان ظاهرهم غير باطنهم، فهم في الوقت الذي يتظاهرون بالزهد في ‏احاديثهم ومظهرهم الديني الخارجي، الا ان واقعهم يكشف عن شدة تعلّقهم بالدنيا وسعيهم للحصول على ‏لذائذها وامتيازاتها، فان واقع الانسان الفعلي لا يتجلّى بالمظاهر والشعارات الدينية وانما يتجلّى بسلوكه العملي ‏واهدافه الواقعية التي يسعى لتحقيقها، فعندما تغلب الانشغالات والاهتمامات الدنيوية على قلب الانسان وفكره فإنها تكشف عن درجة المؤثرات ‏الدنيوية على نفسه والتي اصبحت تأخذ الوقت الاكبر من حياته لتبعده عن موارد الخير في الاخرة والتي هي المستقر ‏النهائي لحياته الدائمة الباقية، وكان الاولى به وهو يدّعي الزهد ان يزداد ابتعادا عن زينة الدنيا عندما تتجمل له وتقترب منه كما في

قول ‏رسول الله ﷺ:‏
‏[الزاهد في الدنيا كلما ازدادت له تحلّيا (اي حلاوة في نفسه)، ازداد عنها تخلّيا (اي ابتعادا)].‏

فحقيقة الزهد هو التجرد من حب الدنيا

او ما عبّر عنه امير المؤمنين بقوله:‏
‏[كانوا قوما من أهل الدنيا وليسوا من أهلها (اي انهم يعيشون في الدنيا مع اهلها ويشاركوهم الحياة ‏الاجتماعية ولكنهم يختلفون عنهم في اهدافهم واعمالهم)، فكانوا فيها كمن ليس منها (فظاهرهم انهم يعيشون ‏في الدنيا، وباطنهم انهم يعيشون للأخرة)، عملوا فيها بما يبصـرون (أي رزقهم الله البصيرة في فهم الحياة الدنيا ‏فعملوا بما وفقهم الله اليه من العمل الصالح الذي يبنون به الاخرة السعيدة)، وبادروا فيها ما يحذرون (اذ ‏تركوا ما يباعدهم عن الله ويقرّبهم من جهنم)]. ‏

   ولذا يحذّر الامام من الانجراف وراء اطماع الدنيا وزينتها والتي تفتح على الانسان كل ابواب الكبر والغرور، ‏والطمع واللهو، والبطر والطغيان، والظلم والاعتداء على حقوق الاخرين، وفقدان القناعة، وبقية الصفات ‏السيئة التي ورد ذكرها في القران وفي الاحاديث الشـريفة لان كل خصائص الشـر تنضوي تحت عنوان حب ‏الدنيا والتي لخصها رسول الله بقوله:‏‏

‏[حب الدنيا راس كل خطيئة].‏

كما قال عنها ﷺ في حديث اخر:‏
[من كانت الدنيا أكبر همه، طال شقاؤه وغمه].‏

فإن هموم الدنيا ومشاغلها لا تنتهي سيما اذا كانت تمثل غاية طموح الانسان واحلامه واماله .‏

عن رسول الله ﷺ قال:

‏[من جعل الدنيا أكبر همه، فرّق الله عليه همه، وجعل فقره بين عينيه].
‏(اي من اهتم بالدنيا زادت وتوسعت همومه ومشاكله، لان حب الدنيا لا يقف عند حد، فكلما دخل في باب ‏منها انفتح على ابواب جديدة تتبعها هموم ومشاكل جديدة لتتحوّل حياته بعدها الى حلقة متصلة من المخاوف ‏والالام). ‏
وقد عبر الامام الصادق ع عن ذلك بوصف جميل فقال فيه:‏

‏[مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله]
‏اي ان حب الدنيا يجر الانسان للإكثار منها لتروي عطشه لأشيائها وزينتها ولكنه هذه الاستزادة تنتهي به ‏الى دمار حياته الشخصية والاسرية والاجتماعية، تماما كما يفعل العطشان عندما يكثر من ماء البحر المالح ‏ليروي عطشه الا ان النتيجة النهائية تنتهي بموته وهلاكه.‏

   ولذا يدعو امير المؤمنين ع الى التمسك بالقناعة في الحياة والرضا بما اختاره الله له من المقادير في الدنيا، اذ ان ‏حقيقة القناعة او الزهد في زينة الدنيا وعدم الاكثار منها انما يكشف عن صدق ايمان المؤمن والتسليم لله في ‏اموره كلها وما في ذلك من رفع للدرجة الايمانية ونيل الحياة الطيبة السعيدة في الدارين.

فعن امير المؤمنين ع قال:

[جمال العيش القناعة] ‏
اي ان لذة العيش وهناءه تكون بقناعة الانسان فيما رزقه الله، ورضاه بما اختاره له من سبل العيش ووسائله، ‏فحين ينظر الانسان الى نعم الله نظرة ايجابية ويستشعر فضل الله عليه فان الحياة تكتسب معنى اخر لأنها تكون متجرا مربحا لتحصيل الاخرة فيحظى من الله بزيادة ‏الايمان والهدى والالطاف الالهية وهو اعظم بكثير من العطايا والمكاسب المادية التي تنتهي بانتهاء الدنيا، في حين ان النعم المعنوية تصحب المؤمن في دنياه واخرته.‏

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com