الرجاء الكاذب    51
 

عن امير المؤمنين ع انه قال:

[لا تكن ممن يرجوا الآخرة بغير عمل، ويرجي التوبة بطول الامل، يقول في الدنيا بقول الزاهدين ويعمل فيها بعمل الراغبين، إن أعطي منها لم يشبع وإن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما اوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي، ينهي ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض المذنبين وهو أحدهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، ويقيم على ما يكره الموت له، إن سقم ظل نادما، وإن صحّ أمن لاهيا، يعجب بنفسه إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلى، إن أصابه بلاء دعا مضطرا، وإن ناله رخاء أعرض مغترا، تغلبه نفسه على ما يظن ولا يغلبها على ما يستيقن، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه، ويرجو لنفسه بأكثر من عمله، إن استغنى بطر وفتن، وإن افتقر قنط ووهن، يقصّر إذا عمل، ويبالغ إذا سأل، إن عرضت له شهوة أسلف المعصيـة وسوف التوبة، وإن عرته محنة انفرج عن شرائط الملة، يصف العبرة ولا يعتبر، ويبالغ في المواعظ ولا يتعظ، فهو بالقول مدل، ومن العمل مقل، ينافس فيما يفني ويسامح فيما يبقى، يرى الغنم مغرما، والغرم مغنما. يخشى الموت ولا يبادر الفوت، يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه، ويستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره، فهو على الناس طاعن ولنفسه مداهن، اللغو مع الاغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء، يحـكم على غيره لنفسه ولا يحكم عليها لغيره، يرشد غيره ويغوي نفسه، فهو يطاع ويعصـي ويستوفي ولا يوفي، ويخشى الخلق في غير ربه ولا يخشى ربه في خلقه]

في نهاية شرح حديث امير المؤمنين عن الرجاء الكاذب وهو من اروع الاحاديث التي تدعوا الانسان الى التفكير في الاخرة والاخلاص في العمل لله نلفت نظر القارئ الى دوام ذكر الله (الذكر القلبي والذكر اللساني) وعدم الغفلة عن ذلك، لان الغفلة عن الله في واقعها هي غفلة عن المصير النهائي لذات الانسان في الاخرة، ولذا فقد جعل الله لكل شيء حدا الا الذكر فلم يجعل له حدا فقال سبحانه في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ فبالذكر النظري والعملي يكون المؤمن قريبا من ربه، اما المعرفة المجردة من دون العلاقة القلبية والعملية مع الله فإنها لا توصل الى السعادة الاخروية

وهو ما بينه امير المؤمنين عندما سأله بعضهم عن قوله الله تعالى (ادعوني أستجب لكم) قال فما بالنا ندعو فلا نجاب ؟
فقال له الامام ع : إن قلوبكم خانت بثمان خصال:

أولها: أنكم عرفتم الله فلم تؤدوا حقه كما أوجب عليكم، فما أغنت عنكم معرفتكم شيئا.

والثانية: أنكم آمنتم برسوله ثم خالفتم سنته وأمتم شريعته، فأين ثمرة إيمانكم

والثالثة: أنكم قرأتم كتابه المنزل عليكم، فلم تعلموا به، وقلتم سمعنا وأطعنا، ثم خالفتم.

والرابعة: أنكم قلتم أنكم تخافون من النار، وأنتم في كل وقت تقدمون إليها بمعاصيكم فأين خوفكم ؟

والخامسة: أنكم قلتم أنكم ترغبون في الجنة وأنتم في كل وقت تفعلون ما يباعدكم منها، فأين رغبتكم فيها ؟

والسادسة: أنكم أكلتم نعمة المولى ولم تشكروا عليها.

والسابعة: أن الله أمركم بعداوة الشيطان وقال "إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا" فعاديتموه بالقول، وواليتموه بالعمل.

والثامنة: أنكم جعلتم عيوب الناس نصب عيونكم، وعيوبكم وراء ظهوركم، تلومون من أنتم أحق باللوم منه، فأي دعاء يستجاب لكم مع هذا وقد سددتم أبوابه وطرقه ؟

فاتقوا الله وأصلحوا أعمالكم، وأخلصوا سرائركم وأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر فسيتجيب الله لكم دعاءكم.

       والحمد لله رب العالمين
🌿مع اطيب التحيات من نبيل شعبان

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com