الرجاء الكاذب   4
 

   تقدم الحديث عن امير المؤمنين بقوله:‏

[لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويرجي التوبة بطول الامل]،

  حيث تواترت الروايات التي تنبه الى قصر الدنيا والاعتبار بأحداثها وضرورة الالتزام بالحكمة في التعامل معها،
فعن رسول الله (ص) قال:
[المعتبر في الدنيا، عيشه فيها كعيش النائم، يراها ولا يمسها، وهو يزيل عن قلبه ونفسه ‏‏- باستقباحه معاملة المغرورين بها - ما يورثه الحساب والعقاب].‏

   ‏اي ان المعتبر في الدنيا يراها ولكنه لا ينغمس فيها فهو يشاهد حقائقها ومجرياتها كمن يشاهدها في عالم ‏الرؤيا فهو لا يغوص في احداثها ووقائعها ولكنه يستفيد منها العبرة ويتجنب ما يؤدي به الى سوء العقاب.
كما ورد عن امير المؤمنين ع عدد من الروايات التي تنبه الى الاعتبار في الدنيا ومن ذلك قوله:‏‏

[الاعتبار يثمر العصمة].
اي ان المعتبر من الدنيا واحداثها يكتسب العصمة الذاتية التي تمنعه من الوقوع في امثال تلك المشاكل والمصائب، وقال كذلك:

[دوام الاعتبار يؤدي إلى الاستبصار، ويثمر الازدجار].
فمن اعتبر بالدنيا نال البصيرة وامتنع عن الوقوع في المكاره ‏والمصائب،

كما قال كذلك: [من كثر اعتباره قل عثاره].
اي ان المعتبر تكون تصرفاته متسمة بالوعي والحكمة. ‏

ثم يتم امير المؤمنين حديثه عن الرجاء الكاذب وصفات المتلبسين به فيقول :

‏[يقول في الدنيا بقول الزاهدين ويعمل فيها بعمل الراغبين]‏.
فهو في الظاهر لا يطلب الدنيا ولا يسعى لتحصيلها بل يدعو الى هجرها وعدم التأثر بزينتها، الّا ان واقعه ‏العملي ينطق بخلاف ذلك، فهو يسعى لها بكل ما يستطيع من القدرة والامكانية الذاتية، ولو كانت امكانيته ‏اوسع واتيحت له فرصة اكبر لما توانى عن طلب لذاتها بكل مايقدر عليه، ولذا ينبّه امير المؤمنين ع في احاديث ‏اخرى اهمية العمل وتقدمه على الاقوال والادعاءات فيقول في ذلك:‏

‏[الـشرف عند الله سبحانه بحسن الأعمال، لا بحسن الأقوال]. ‏
‏اي ان الذي يرفع من قيمة العبد عند الله هو مقدار العمل الصالح ومطابقته بين الاقوال والاعمال، اذ ان ‏العبرة هي في العمل والانجاز لا بحسن الحديث والتعبير.

كما يقول ع في حديث اخر قال:‏
‏[بالعمل يحصل الثواب لا بالكسل]. ‏
‏فالعمل والفعل هو الذي يكسب الانسان الثواب اما القعود والسكون وعدم الحركة فلا يحصل ‏الانسان منه على شيء سوى الكسل وضياع الفرص.‏

ولذا يؤكد ع ان الثمرات تجنى في العمل فيقول :
[بحسن العمل تجنى ثمرة العلم لا بحسن القول].‏
‏اي ان الاعمال هي التي تمثل ثمرة الافكار والاقوال فلّا تبقى الاحاديث معلّقة في عالم المثل والنظريات ‏ليس لها أثر في عالم الواقع‏.

وهو ما جعل امير المؤمنين يوضح العلاقة بين العلم والعمل فقال ع:‏
‏[العلم يرشدك، والعمل يبلغ بك الغاية]. ‏
‏اي ان العلم يدلك ويهديك الى الطريق الصحيح ولكن العمل هو الذي يوصلك الى غايتك ومقصدك الذي ‏تريده فما فائدة معرفة الانسان بطرق النجاح او الفوز اذا لم يباشر العمل لتحقيقها في ارض الواقع.‏

ثم يوضح ع ان القيمة الفعلية للإنسان هي بعمله وفعله لا بحسبه او نسبه فيقول :‏
‏[من أبطأ به عمله، لم يـسرع به حسبه]. ‏

  ‏فقيمة الانسان بعمله وجهده وانتاجه، اما الشهرة في حسبه ونسبه فهي لا تعطيه منزلة عند الله او عند ‏الناس الّا اذا كان حاله وعمله على نفس مستوى السابقين من الاخلاص والكفاءة، اذ ما قيمة الانسان ان ‏ينتسب لرسول الله او لأهل بيته المعصومين اذا كان عمله خلاف عملهم، او حاله خلاف حالهم من التقوى ‏والعلم والعمل؟
ولذا يرفع امير المؤمنين شعار العمل كأساس للأيمان فيقول:‏

‏[العمل شعار المؤمن]. ‏
‏اي ان المهم هو الاعمال والافعال وليس الاقوال والافكار.‏

ومن هنا يوضح الإمام علي الهادي ع الفرق بين موازين الدنيا والاخرة فيقول:‏

[الناس في الدنيا بالأموال، وفي الآخرة بالأعمال].‏

‏اي ان قيمة الناس ومنزلتهم الاجتماعية في مقاييس اهل الدنيا هي مقدار ما حازوه من الاموال والثروة وما ‏يترتب عليها من امتيازات اجتماعية او سياسية بالحق او بالباطل، اما قيمتهم في الاخرة فهي بمقدار ما قدموه ‏من الاعمال الصالحة التي تؤهلهم لدخول جنة الخلد والتنعم فيها، وهو مصداق قوله تعالى ﴿تِلْكَ الدَّارُ ‏الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.‏

وللبحث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com