الرجاء الكاذب    44
 

عن امير المؤمنين ع في تتمة حديثه عن حملة الرجاء الكاذب والصفات التي يتصف بها قال:

[فهو على الناس طاعن ولنفسه مداهن].

  اي هو على الاخرين شديد النقد والطعن والمؤاخذة على كل صغيرة وكبيرة من اعمالهم واقوالهم، بينما هو مع نفسه لين يلتمس لها الاعذار والمبررات في اخطائها بل حتى في معاصيها بخلاف الآيات والروايات التي تدعو الى محاسبة الانسان لنفسه قبل محاسبة الاخرين فان للأخرين من سيحاسبهم ويقيم عليهم الحجة البالغة يوم القيامة والله اعلم بحقائق اعمالهم.

   والمراد بالمداهنة هو الملاينة والمدارات (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) اي تلين ولا تلتزم بالحق والثبات على القيم الالهية، وهو ما يسوّله الشيطان للنفس بالجمع بين الحق والباطل والذي يعني الميل والانحراف عما يريده الله ليكون مفتاحا للولوج في المعاصي.

عن امير المؤمنين ع قال:

[من داهن نفسه هجمت به على المعاصي].

   اي من كان لينا في حسابه لنفسه مبررا لذنوبه ومتسامحا مع معاصيه فأنها تقوده شيئا فشيئا الى سلوك طريق البعد عن الله والسقوط في النهاية في مزالق الشيطان وشباكه.

وعن امير المؤمنين ع في حديث اخر قال:

[لا ترخصوا لأنفسكم فتذهب بكم الرخص مذاهب الظلمة، ولا تداهنوا فيهجم بكم الادهان على المعصية].

   فان المعصية تبدأ في الاشياء الصغيرة ثم تزداد قليلا قليلا في درجتها حتى تبلغ مبلغا يسوق الانسان الى السير في طريق الشيطان مع الهوى والعمى، فالتساهل مع المحرمات او الرخص التي يعطيها الانسان لنفسه هي التي تسهل الانقياد لوسوسة الشيطان والسقوط في شباكه.

عن امير المؤمنين ع قال:

[انما سمي العدو عدوا لأنه يعدوا عليك (اي يعتدي عليك)، فمن داهنك في معيبك (اي في الامور التي تعاب عليها) فهو العدو العادي عليك].

اي الذي يخفي عنك عيوبك ويشهرها للناس فهو العدو الحقيقي الذي يريد ان يسقط مكانتك وقيمتك في المجتمع، ومن هنا كان الشيطان اعدى اعداء الانسان حيث يسهل له طريق المعصية فيسقط امام الله وامام الناس، ولذا حذر الله سبحانه الانسان من عداوة الشيطان فقال:
(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)

كما نهى عن اتباع خطوات الشيطان التي تقود الى المعاصي والذنوب فقال:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)
(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ)

كما اوضح سبحانه ان نزغ الشيطان وكيده يزول تأثيره على النفس حينما يتذكر حقيقة الدنيا والامتحان الالهي فيها ويعتصم بذكر الله وطاعته فقال جل جلاله:
(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ)
(وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)

  ولذا حذر امير المؤمنين من اتباع كيد الشيطان في المداهنة على اتباع الحق سواء اكان في الالتزامات الفردية من الواجبات التي فرضها الله على عباده او في المحرمات التي منع عنها العباد كترك الغيبة والنميمة وكل امر يحاسب الله عليه في الاخرة، او المداهنة في القضايا السياسية او الاجتماعية او الحقوق التي ترتبط بالأمة، فقال ع :
[لا تداهنوا في الحق اذا ورد عليكم وعرفتموه فتخسروا خسرانا مبينا].

وهو ما بينه الله في كتابه الكريم بقوله:
(وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)
(وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً)
(وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

ثم قال سبحانه:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)

وقد نبّه امير المؤمنين ع الى عدم الانخداع بظاهر الاشياء والتساهل في الحق مهما صغر فان خلفه تكمن حقيقة الطاعة والمعصية فقال:

[اعلم أن لكل ظاهر باطنا على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث باطنه]

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com