الرجاء الكاذب    41
 

تقدم الحديث عن امير المؤمنين في وصف حملة الرجاء الكاذب بقوله:

[يخشى الموت ولا يبادر الفوت]

   حيث تناولت الحلقة السابقة بعض جوانب الحديث والتي تعرضت الى ذكر تحذير الله للعباد في كتابه عن الموت والاستعداد له مع ذكر بعض احاديث النبي وامير المؤمنين في ذلك وفي هذه الحلقة تتمة الحديث عن هذه الفقرة.

   ان المتأمل في روايات المعصومين يجد مجموعة متميزة من الاحاديث التي تدعوا الى الالتفات الى الموت والاستعداد له قبل مجيئه والتزود للأخرة، وهو ما يكشف عن اهمية الموضوع لان اصل الدنيا انما خلقت لابتلاء الانسان وامتحانه ليأخذ محله في الاخرة ونتيجته المترتبة على اعماله في الحياة الدنيا، والموت هو لحظة الانتهاء لامتحان الدنيا والانتقال الى عالم الاخرة وهو من اسرار الله التي لا يعلمها غيره والتي تشمل جزء من امتحان الله لعباده والتي كثيرا ما تحدثت الآيات عنها كما في قوله تعالى:
(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)

وهو ما قال فيه رسول الله ﷺ :

[إن النور إذا دخل الصدر انفسح (اي انفتح القلب لتقبل الحقائق الالهية الموجودة في كتابه وما تحدث به حججه)، فقيل له: هل لذلك من علم يعرف به ؟
فقال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله].

كما ورد عن رسول الله ﷺ انه قال:

[أصلحوا الدنيا واعملوا لآخرتكم كأنكم تموتون غدا]

وهو ما يعني المسارعة لعمل الخير قبل الموت

فعن رسول الله ﷺ قال:

[من ارتقب الموت سارع في الخيرات].

فذكر الموت (وهو الحقيقة الواقعة التي لا يشك فيها احد) تستدعي من اهل الايمان ان يتزودوا من الصالحات التي هي زاد الاخرة قبل نزول الموت الذي تختم به الاعمال الدنيوية.

عن امير المؤمنين ع قال:

[تزوّدوا في الدنيا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا]

وفي حديث اخر قال ع:

[تزودوا في أيام الفناء لأيام البقاء، قد دللتم على الزاد، وأمرتم بالظعن، وحثثتم على المسير]

وفي ذلك اشارة الى ما انزله الله في كتابه الكريم من الايات التي تدعو الى التزود للاخرة ومن ذلك قوله:
(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)
(وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)

عن امير المؤمنين ع قال:

[إن الدنيا لم تخلق لكم دار مقام، بل خلقت لكم مجازا لتزودوا منها الأعمال إلى دار القرار]

اي ان المؤمن ينبغي ان لا يغفل عن كونه مسافرا في الحياة وان السفر يمكن ينتهي في اي لحظة، ولذا ورد عن امير المؤمنين ع مجموعة متميزة من الاحاديث التي تدعوا الى التزود من الدنيا بالأعمال الصالحة قبل حلول الموت ومن ذلك قوله:

- [فليعمل العامل منكم في أيام مهله قبل إرهاق أجله... وليتزود من دار ظعنه لدار إقامته].
- [عليكم بالجد والاجتهاد، والتأهب والاستعداد، والتزود في منزل الزاد].
- [رحم الله امرأ... اغتنم المهل، وبادر الأجل، وتزود من العمل].
- [إنك لن يغني عنك بعد الموت إلا صالح عمل قدمته، فتزود من صالح العمل]
- [إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها].

كما قال ع منبها لحتمية انتهاء العمر احاديث عدة منها:

- [ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا وأبقى آثارا؟... تعبدوا للدنيا أي تعبد، وآثروها أي إيثار، ثم ظعنوا عنها بغير زاد مبلغ ولا ظهر قاطع].

- [اعلم أن أمامك عقبة كؤودا (وهي ساعة البعث للحساب في يوم القيامة)، المخف فيها أحسن حالا من المثقل (والمثقل هو المكثر من الاعمال التي لها تبعات يطول حسابها او الذي ظهره مثقل بأوزار السيئات التي جمعها في دنياه)، والمبطئ عليها أقبح حالا من المسرع ، ... فارتد لنفسك قبل نزولك (اي اختر طريقك لسفرك الاخروي)، ووطئ المنزل قبل حلولك (اي اختر مقامك ودرجتك في الاخرة )].

- [إنما الدنيا منتهى بصر الأعمى، لا يبصر مما وراءها شيئا، والبصير ينفذها بصره ويعلم أن الدار وراءها، فالبصير منها شاخص (اي مبتعد عنها)، والأعمى إليها شاخص (اي متعلق بزينتها وامالها)، والبصير منها متزود، والأعمى لها متزود]

ثم يختزل امير المؤمنين ع الدنيا في كلمات قليلة فيقول:

- [لا خير في شيء من أزوادها إلا التقوى].

- [اوصيكم عباد الله بتقوى الله التي هي الزاد وبها المعاذ زاد مبلغ، ومعاذ منجح].

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com