الرجاء الكاذب    3 ‏
 

عن امير المؤمنين ع في النهي عن الرجاء الكاذب قال:‏‏

[لا تكن ممن يرجوا الآخرة بغير عمل].

   اي لا تكن من الذين يكتفون بالآمال والاماني في تحصيل الاخرة من دون سعي وعمل، فيصبح حالك كحال ‏الجاهل الذي ليس له اساس من العلم الذي يعتمد عليه في طاعة الله الّا مقولات ومسموعات من هنا وهناك حيث ‏لا تغني عنه في القيامة شيئا مع كثرة الحجج الالهية التي اقامها الله في كتابه واحاديث انبيائه ‏وحججه، فقد اتم الله الحجة على العباد في آيات كثيرة دعاهم فيها للعمل الصالح ومنها قوله تعالى:‏

‏﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجزَاهُ الجَزَاء الْأَوْفَى﴾‏
‏﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحداً﴾‏
‏﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ ‏تَعْمَلُونَ﴾ ‏

‏ فمن دون العمل الصالح لا يمكن للإنسان ان يدخل الجنة، فالجنة ‏لا تنال بالآمال والاماني، ولا تنال بالأعمال في غير ما يرضي الله،

ثم يكمل ع الخطبة بقوله:
[ويرجئ التوبة بطول الامل].

اي لاتكن ممن يستبعد قرب الموت ويحسب ان الدنيا دائمة له، فيغلب على فكره وقلبه شؤونها ‏واحوالها والاستفادة منها لتكون لها الاولوية في سعيه واعماله، فينسى عندها مباغتة الموت والاستعداد ‏للأخرة، رغم انه في كل يوم يأتيه خبر ممن غادر الدنيا ولم يحقق امانيه واحلامه فيها.‏

عن الإمام زين العابدين ع قال:

 [مسكين ابن آدم، له في كل يوم ثلاث مصائب لا يعتبر بواحدة منهن، ولو ‏اعتبر لهانت عليه المصائب وأمر الدنيا، ‏

فأما المصيبة الاولى: فاليوم الذي ينقص من عمره، وإن ناله نقصان في ماله اغتم به، والدرهم يخلف عنه، والعمر ‏لا يردّه].
(اي ان الانسان لا يكترث باليوم الذي ذهب من عمره فانه لن يعود له ‏فتكون قد ضاعت عليه فرصة الاستفادة منه لحياته الاخروية، فعمر الانسان محسوب عليه في الدنيا اذ هو الاساس الذي يعتمد عليه في حساب يوم القيامة، فلا يهتم لنقصان العمر بينما يهتم لنقصان المال مع ان الله قد يعوضه الله بغيره، في حين ان العمر الضائع لا يعود ما ذهب ‏منه، مما يعني قرب الرحيل لعالم الاخرة وانطواء صحائف العمل في الدنيا).‏


والمصيبة الثانية: أنه يستوفي رزقه، فإن كان حلالا حوسب عليه، وإن كان حراما عوقب عليه

(اي ان الله قد جعل لكل مخلوق من خلقه رزقه المقسوم له في مدة حياته الى ‏موته، فلن تموت نفسا حتى تستكمل رزقها كما في الحديث الشريف، الا ان الانسان يجعل كل سعيه في الحصول على رزقه المقسوم له من دون ان يبالي بعاقبته الدنيوية او الاخروية، فلا يهتم ان كان رزقه من الحلال او الحرام، ولا يهتم بأثاره التي تنعكس على دنياه، ولا ‏يهتم بحساب الله في الاخرة فيه، وكان الاولى به ان لا يعطي كل وقته وجهده لأمور الدنيا ويحسب حساب العمر المحدود فيه.


‏والثالثة (اي المصيبة الثالثة) أعظم من ذلك، فقيل وما هي يا بن رسول الله؟ ‏
فقال: ما من يوم يمسـي إلا وقد دنا من الآخرة رحيله، لا يدري على الجنة أم على النار].

(اي ان الانسان في كل يوم ‏يقترب من نهاية سفره من الوصول للأخرة فلا ينتبه الى نقصان المدة الباقية في الدنيا، ولا الى العاقبة التي سيؤول اليها في الاخرة، ‏فلا يلتفت الى قلة عمره الباقي في الدنيا، ولا الى الاعتناء بعاقبته ومستقره النهائي في الاخرة، فهو في غفلة من ذهاب عمره واقتراب نهايته، بخلاف الآيات والروايات الكثيرة التي تنبه الى ذلك كما في قوله تعالى:

(‏وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ).
( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ، مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ).
(كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ، وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ).

مما يستدعي من الانسان ان ينتبه من غفلته ويستعد لأخرته قبل ضياع الفرصة وطي كتابه في الدنيا.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com