الرجاء الكاذب    39
 

عن امير المؤمنين ع قال في تتمة وصفه لحملة الرجاء الكاذب قال:

[يرى الغُنم مٓغرما والغُرم مٓغنما].

  (اي يعتبر ان الغُنم (او ما يغنمه في الاخرة من الثواب والجزاء بدلا عما يتركه من الشهوات والمحرمات في الدنيا)، هو بمثابة الغرم او الخسارة للدنيا، حيث يرى ان ما فاته من الدنيا هي خسارة يتأسف عليها، او ان نفسه تتحسـر على فوت شهوات الدنيا وعدم اغتنامه لها وذلك لشدة تأثره بالدنيا وغفلته عن الاخرة،

  كما يرى، بسبب تزين الشيطان له، ان ما سيعاقب على فعله بالأخرة فيما لو ارتكب تلك المحرمات، يستحق التضحية عوضا عما ناله من السـرور واللّذة في الدنيا! ناسيا التفاوت العظيم بين لذائذ الدنيا والاخرة، وبين عقوبات الدنيا والاخرة في درجتها ومدتها ونوعيتها، وهو ما يكشف عن ضعف الايمان وهيمنة الدنيا على قلبه).

   ولذا نبهت الآيات والاحاديث الكثيرة الانسان الى التفاوت العظيم بين الدنيا والاخرة وما يترتب على ذلك من الاثار والثمرات.

عن امير المؤمنين ع قال:

[إن الدنيا والآخرة عدوان متفاوتان، وسبيلان مختلفان، فمن أحب الدنيا وتولّاها أبغض الآخرة وعاداها، وهما بمنزلة المشرق والمغرب، والماش بينهما كلما قرب من واحد بعد من الآخر، وهما بعد ضرتان]

   وهو تنبيه الى الاهتمام بالأخرة وعدم اعطاء الدنيا الاهمية القلبية الا بمقدار الضرورة لإدامة الحياة، فقلب الانسان وسعيه ينبغي ان يكون للأخرة لانهما طريقان مختلفان يترك كل منهم اثره على السائر فيه، فمن سار في طريق الدنيا استهوته زينتها الظاهرية حتى لو كانت اكثر من حاجته فهو يهوى البيوت الفارهة العمودية او الافقية، والاكثار من اللوازم البيتية الفاخرة وما يتبع ذلك من زينة لها مهما كانت كلفتها المادية عالية، كما يهوى السيارات الحديثة والاكثار منها، والسفرات الباذخة، ومتعلقات الحياة العصرية ومادياتها، وغير ذلك من الامور المرتبطة بها والتي قال الله عنها في كتابه: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)، مما ينسيه الاخرة ويجعله متعلقا بشؤون الدنيا ومتعلقاتها المادية وارتباطاتها.

عن الإمام زين العابدين قال:

[والله ما الدنيا والآخرة إلا ككفتي الميزان، فأيهما رجح ذهب بالآخر].

   فمن يحسب نفسه انه يطلب الاخرة بينما هو يسعى واقعا في طلب الدنيا، فان كفة الدنيا ترجح في ميزانه، فلو حاسب نفسه بنفسه كم كان من الاعمال لله وكم كان منها للدنيا؟ لعرف الحقيقة والتي هي لا تخفى على الله حتى لو ابقاها في ثنايا نفسه  (وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ).
(اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)

ولذا حذر رسول الله ﷺ من التهالك على الدنيا والغرق فيها فقال:
[إن في طلب الدنيا إضرارا بالآخرة، وفي طلب الآخرة إضرارا بالدنيا، فأضروا بالدنيا فإنها أحق بالإضرار].

عن رسول الله ﷺ قال:

[من أحب دنياه أضر بآخرته].

وهو ما عبر عنه المسيح (ع) بطريقة اخرى فقال:
[مثل الدنيا والآخرة كمثل رجل له ضرتان: إن أرضى إحداهما أسخط الاخرى]

كما قال كذلك:[لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد].اي الدنيا والاخرة هما متخالفتان في السعي والثمرة

وهو ما تحدث عنه امير المؤمنين ع بصورة صريحة فقال:
[طلب الجمع بين الدنيا والآخرة من خداع النفس].

كما قد اوضح امير المؤمنين ع عن الصعاب التي يعانيها الساعي الى الاخرة في الدنيا وانعكاس ذلك في الاخرة فقال:
[مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وحلاوة الدنيا مرارة الآخرة].

وعن الامام الصادق ع في ايضاح غصص الاخرة التي تنشأ من لذائذ الدنيا قال:

[ وما اوتي ابن آدم منها (اي من الدنيا) شيئا إلا نقص حظه من الآخرة].

ولذا نبّه ع في حديث اخر الى هذه الحقيقة بقوله:

 [إذا صلح أمر دنياك فاتهم دينك].

وهو ما اوضحه امير المؤمنين ع في احاديث عدة عن طبيعة العلاقة التي تجمع بين الدنيا والاخرة فقال:

- [ثروة الدنيا فقر الآخرة].
- [كلما فاتك من الدنيا شيء فهو غنيمة].
- [مرارة الدنيا حلاوة الآخرة].
- [من طلب من الدنيا شيئا فاته من الآخرة أكثر مما طلب].
- [ما زاد في الدنيا نقص في الآخرة، ما نقص في الدنيا زاد في الآخرة].

عن رسول الله ﷺ قال:

[الفقر فقران فقر الدنيا وفقر الآخرة، ففقر الدنيا غنى الآخرة، وغنى الدنيا فقر الآخرة، وذلك الهلاك]

ولذا أكد امير المؤمنين ع على العمل الصالح فقال:

[المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله لأقوام].

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com