الرجاء الكاذب    38
 

عن امير المؤمنين ع قال في تتمة وصفه لحملة الرجاء الكاذب قال:

[ينافس فيما يفنى ويسامح فيما يبقى].

   فهو شديد المنافسة على اشياء الدنيا وزينتها ومواقعها الاجتماعية او السياسية، ولكنه في امور الاخرة وما يبقى له بعد الموت من الصالحات، والتي هو بحاجة اليها للنجاة من النار والارتقاء في منازل الجنة ودرجاتها، فهو متهاون في طلبها والسعي اليها وكأنه ليست بعد الدنيا حياة اخرى، بخلاف ما تدعو اليه الآيات والروايات من الاكثار من العمل الصالح الذي يبقى للإنسان بعد موته، كما في قوله تعالى: (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ)
فالذي يبقى للإنسان بعد موته ويلتحق معه هو العمل الصالح

عن رسول الله ﷺ قال:

[إن لأحدكم ثلاثة أخلاء: منهم من يمتّعه بما سأله فذلك ماله، ومنهم خليل ينطلق معه حتى يلج القبر ولا يعطيه شيئا ولا يصحبه بعد ذلك فأولئك قريبه، ومنهم خليل يقول: والله أنا ذاهب معك حيث ذهبت ولست مفارقك، فذلك عمله إن كان خيرا وإن كان شرا].

وعن رسول الله ﷺ قال:

[يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله].

فالعمل يرافق الانسان الى يوم القيامة حيث يكون له اثارا في البرزخ وعند الحساب ولذا فالآيات والروايات تؤكد على العمل الصالح، وخاصة الاعمال التي تترك اثارا بعد موت كما تترك الاقدام اثارها في الطين فالإنسان بعد ان يغادر الحياة تبقى اثاره فيها من التصرفات والاعمال كما في قوله تعالى:
(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ، وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ)

فالاثار او المترتبات على الاعمال تستمر في سيئاتها وحسناتها حتى من بعد موت صاحبها، إن خيرا فخير او شرا فشر، فالذنوب التي يرتكبها اصحاب القدرة من الطواغيت والظلمة من انتهاك لحرمات الله وما سنّوه من قوانين وما يترتب على ذلك من التبعات تستمر حتى لو دامت اثارها اجيالا كثيرة حيث تضاف سيئاتها الى فاعلها الاول اضافة الى سيئاته السابقة هذا عدا حساب الاخرين بسيئاتهم الخاصة بهم، ولذا يطول حساب البعض في يوم القيامة، وكذلك هو الحال في الاعمال الصالحة فان ثوابها يدوم حتى بعد موت فاعلها فالتربية الصالحة والاثر الجيد يبقى رصيدها الاخروي للإنسان حتى بعد رحيله عن الدنيا

عن رسول الله ﷺ قال:
[إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له].

وعن رسول الله ﷺ في حديث اخر قال:
[سبعة أسباب يكتب للعبد ثوابها بعد وفاته: رجل غرس نخلا، أو حفر بئرا، أو أجرى نهرا، أو بنى مسجدا، أو كتب مصحفا، أو ورّث علما، أو خلّف ولدا صالحا يستغفر له بعد وفاته].

فمن الاعمال الصالحة ما تنتهي بوقتها ويكون لفاعلها الثواب والاجر، ومنها ما تكون صدقة جارية او حسنات مستمرة تضاف الى حسنات فاعلها ما دام عطائها مستمرا حتى بعد موته.
فالأعمال سواء اكانت منقطعة او (مستمرة بأثارها) هي الاساس الذي يترتب عليه حساب الله يوم القيامة كما في قوله تعالى: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) والمراد بالأعمال المتأخرة هي اثاره الباقية في الدنيا بعد موته.

عن امير المؤمنين ع قال:

[المرء لا يصحبه إلا العمل].

ثم بين ع ما يترتب على هذه الاعمال في القيامة فقال:
[ثمرة العمل الصالح كأصله].

فهو شبيه بالزرع الجيد الذي تنتظر ثمرته فيما بعد او في الاخرة، كما اوضح ع ان ثمرة العمل السيء لا ينتظر منها الا السوء في الاخرة فقال:
[ثمرة العمل السيء كأصله].

وهو ما بيّنه رسول الله ﷺ بقوله:
[كما لا يجتنى من الشوك العنب كذلك لا ينزّل الفجار منازل الأبرار، فاسلكوا أي طريق شئتم، فأي طريق سلكتم وردتم على أهله].

عن الامام الباقر ع قال:

[إن العمل الصالح يذهب إلى الجنة فيمهد لصاحبه كما يبعث الرجل غلامه فيفرش له، ثم قرأ: ﴿وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلأنفسهم يمهدون﴾].

فالمنافسة التي حث الله سبحانه العباد عليها هي المنافسة فيما يبقى وليست المنافسة على ما يفنى من متاع الدنيا الزائل كما اوضح في كتابه الكريم بقوله:
﴿إِنَّ الْأبرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْـرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ، خِتَامُهُ مِسْكٌ، وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ﴾.
(إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ)

اي ان المنافسة ينبغي ان تكون في الحرص على ما يبقى في الاخرة كما ان المسامحة ينبغي ان تكون فيما يفنى في الدنيا، فلا ينبغي ان يكترث المؤمن لأمور الدنيا كثيرا ولا يقدمها على امور الاخرة.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com