الرجاء الكاذب    37
 

تقدم الحديث عن امير المؤمنين بوصفه لحملة الرجاء الكاذب بقوله:

[فهو بالقول مدل ومن العمل مقل]،

وقد تم شرح بعض جوانبه في الحلقات الماضية الا ان موضوع اقتران القول بالعمل وعدم الاكتفاء بالحديث فقط يحتاج الى مزيد من الشرح والتفصيل فقد تواترت الروايات في المداومة على تقديم الافعال على الاقوال وعلى المداومة على العمل الصالح حتى يكون العمل جزء من شخصية المؤمن وعاداته.

عن امير المؤمنين ع قال:
[إن فضل القول على الفعل لهجنة وإن فضل الفعل على القول لجمال وزينة].

والهجنة وهو ما ينشأ عادة من تزاوج او تداخل صنفين مختلفين يلزم منه الخروج عن الاصل وهو ما يستلزم العيب الشديد في بعض حالاته، اي ان المطلوب من المؤمن ان تكون اقواله مطابقة لأفعاله وان لا يكثر من الحديث بالمواعظ والحكم او الادعاء بقضايا هي خلاف واقعه وحقيقة وافعاله كما قد يعض الناس بالإخلاص او كثرة العبادة او يحث على الانفاق والجود في حين ان واقعه هو خلاف ما يدعيه ولذا اوضح الامام ع ان العمل هو مقدم على القول عموما وانه جمال وزينة للمؤمن حين يعرف بأعماله لا بأقواله.

وفي حديث اخر عن امير المؤمنين ع قال:
[زيادة الفعل على القول أحسن فضيلة، ونقص الفعل عن القول أقبح رذيلة].

اي ان المصداق العملي هو الذي يكشف عن حقيقة الانسان وواقعه وليس القول باللسان والذي قد يخفي فيه الانسان واقعه الفعلي المستور ولذا تضمن القران كثير من الآيات التي تفضح الواقع العملي للمنافقين كما في الآيات التالية:

(وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ).
(وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ )
(قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)

اي ان العمل والسعي هو الكاشف الحقيقي للادعاءات وليس الكلام ولذا فان المؤمن الصادق هو الذي يقرن القول بالعمل وان يديم هذه الحالة في حياته بالإضافة الى ملاحظة الموازين التي تقربه الى الله

عن رسول الله ﷺ في بعض وصاياه لابي ذر قال:

[يا أبا ذر، كن بالعمل بالتقوى أشد اهتماما منك بالعمل، فإنه لا يقل عمل بالتقوى، وكيف يقل عمل يتقبل؟ يقول الله عز وجل: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾.

اي ينبغي تقديم التقوى على العمل مهما كانت قيمته واهميته، فقد يكون العمل في بعض مجالات تقديم الخير للناس كمعالجة المرضى او تقديم المساعدات لهم الا انه اذا فقد هذا العمل التقوى بارتكاب بعض المعاصي فان ذلك يذهب الاجر والمثوبة منه٠

وعن الامام الكاظم ع قال:

[قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود].

عن الامام الباقر ع قال:

[إنك لن يتقبل من عملك إلا ما أخلصت فيه]

اي ان شرط الاخلاص لله في الاعمال وابتغاء وجه الله فقط هو الذي ينال به الانسان المثوبة في الاخرة، فالصلاة قيمتها كبيرة في ميزان الحسنات الا انها اذ كانت لغير الله فقد حبط اجر العمل فيها بل قد تستبدل بالسيئات

عن امير المؤمنين ع قال:

[اعلم أن لكل عمل نباتا، وكل نبات لا غنى به عن الماء، والمياه مختلفة، فما طاب سقيه طاب غرسه وحَلَتْ ثمرته، وما خبث سقيه خبث غرسه وأمرت ثمرته].

فطيب السقي في الاعمال هو ان يكون القصد فيها لوجه الله لينال الانسان ثمرتها الاخروية

وهو مدلول كلام الامام الصادق ع بقوله:

[لو نظروا الناس إلى مردود الأعمال من السماء، لقالوا: ما يقبل الله من أحد عملا].

بمعنى قد يتصور البعض ان اعمالهم مقبولة ومثابة عند الله بينما لو كشف لهم الواقع وما ينالوه من الجزاء على اعمالهم بحساب الله الدقيق لعلموا الوهم الذي يعيشون فيه.

وللبحث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com