الرجاء الكاذب    36
 

تقدم الحديث عن امير المؤمنين بوصفه لحملة الرجاء الكاذب بقوله:

[فهو بالقول مدل ومن العمل مقل]،

  وقد تم شرح بعض جوانبه في الحلقات الماضية والتي تعرضت الى سيرة رسول الله وبعض الانبياء السابقين في جمعهم بين القول والعمل اما ما كان من سيرة امير المؤمنين الذي اختاره الله لان يكون حجته وخليفته من بعد رسول الله فهو القائل عن نفسه في اعراضه عن الدنيا وصدق اقتران القول بالعمل في خطبته التي وردت في نهج البلاغة ما يلي:

عن امير المؤمنين ع قال:

  وَلَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هذَا الْعَسَلِ وَلُبَابِ هذَا الْقَمْحِ، (اي لاخترت افضل انواع الاطعمة والذّها)،

وَنَسَائِجِ هذَا الْقَزِّ (اي الحرير بمعنى لو شئت لارتديت افضل انواع الالبسة من الحرير وغيره)،

وَلكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي (اي شدة الحرص والطمع في ملذات الدنيا)

إِلَى تَخَيُّرِ الاْطْعِمَةِ ، وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ بِالْـيَمَامَةِ مَنْ لاَطَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ (اي رغيف الخبز لشدة جوعه فيأكل مما القاه الناس في الطريق من الفضلات)،

وَلاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَع (اي لم يشبع لعدم حصوله على الطعام)،

أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً (اي مليء البطن)

وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى (اي بطون جائعة)

وَأَكْبَادٌ حَرَّى (اي شديدة العطش للماء)،

أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ :

وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَة وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ

(والقد هو السير من الجلد غير المدبوغ الذي يشبه اللحم غير المطبوخ يتناوله الجيع لشدة احتياجهم للطعام)، ثم قال في تتمة الخطبة

أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ :أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ (اي هل اكتفي بوصفي بأعلى المقامات والرتب ولا اشارك الناس فيما هم فيه من الصعاب والمحن)،

أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ (اي خشونة العيش وشدة المعاناة في الحياة فأعيش مترفا منعما كما يعيش القادة والزعماء في عالمهم الخاص ويعيش الناس في العناء والتعب والحرمان)،

فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا، أَوِ الْمُرْسَلَةِ (اي البهيمة غير المربوطة التي تسرح في طلب طعامها)،

شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا (اي غاية شغلها هو طلب القمامة والفضلات)،

تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلاَفِهَا (اي تخزن الاعلاف او الطعام في كرشها)،

وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا (اي ان تكون غافلة عما ينتظرها من الذبح)

أَوْ أُتْرَكَ سُدىً (اي من دون سبب او غرض من خلق الانسان بهذا التدبير الالهي العظيم منذ اول خلقه حتى مماته كما قال الله في كتابه الكريم [أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ]،

أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً (اي يترك الانسان بلا حساب وجزاء فيسرق ويقتل ويظلم من دون حساب كما في قوله تعالى: [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ])،

أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلاَلَةِ (اي اكون سببا لإضلال الناس وسوقهم الى سوء العاقبة في الاخرة)،

أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ (اي اركب الطريق على غير قصد فأسير بطريق الحيرة وموضع التيه والهلاك )

فهكذا كانت حياتهم النموذج الصادق لتجسيد اقتران القول بالعمل، وعند الاطلاع على تفاصيل حياتهم يجد الانسان كثيرا من المصاديق العملية على مطابقة القول والعمل في حياتهم في مختلف الشؤون الفردية والجماعية.

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com