الرجاء الكاذب    35
 

تقدم الحديث عن امير المؤمنين بوصفه لحملة الرجاء الكاذب بقوله:

[فهو بالقول مدل ومن العمل مقل].

   وقد تم شرح بعض جوانبه، الا انه عند الحديث عن العمل الصالح وضرورة مطابقة الاعمال مع الاقوال فان ذلك يستدعي ان يرجع الانسان الى القدوات التي جعلها الله للبشر نموذجا لكي يهتدوا بهداها ويسيروا على منوالها وسيرتها وهم الانبياء المرسلين والحجج المعصومين لكيلا يضل الناس عن الطريق وهو ما ورد في الزيارات لهم من كونهم: (مصابيح الدجى (اي مصابيح النور في الليل الحالك الظلمة) واعلام التقى (اي المشتهرين بتقوى الله والامتناع عن معاصيه)، وذوي النهى (اي ذوي العقل والاتزان في الاعمال والاقوال)، وأوُلي الحجى (اي اصحاب العقول الرصينة التي لا تنساق مع الاهواء والاطماع فيضعون كل شيء في موضعه)، وهو ما قاله الله في كتابه:

( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا )

وما ذكره في حججه المعصومين:
( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ )

عن امير المؤمنين ع في حديثه عن الانبياء وعلاقتهم بالدنيا قال:

وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ (ص) كَاف لَكَ فِي الاْسْوَةِ (اي القدوة به)، وَدَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وَعَيْبِهَا، وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَمَسَاوِيهَا، إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا (اي لم يدخل في شيء من ملذاتها وزينتها)، وَوُطِّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا (اي جوانبها)، وَزُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا، وَفُطِمَ مِنْ رَضَاعِهَا. (فأعراض رسول الله عن الدنيا كلها يمثل قدوة لمن اراد ان يقتدي به)

وَإِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسى كَلِيمِ اللهِ (ع) إذْ يَقُولُ: [ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ]، وَاللهِ، مَا سَأَلَهُ إِلاَّ خُبْزاً يَأْكُلُهُ، لاِنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الاْرْضِ، وَلَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفِ صِفَاقِ بَطْنِهِ (اي تبدو للعيان من تحت الجلد الرقيق الشفاف الذي يغلف بطنه بسبب رقة الجلد)، لِهُزَالِهِ وَتَشَذُّبِ لَحْمِهِ (اي لتفرق اللحم وعدم تجمعه بكثافة كما هو الحال مع الشخص السمين).

وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوودَ صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ، وقارئ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْخُوصِ (اي منسوجات الخوص حيث كان يحوكها) بِيَدِهِ، وَيَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا! وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا.

وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِي عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ (ع)، فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْحَجَرَ (اي يجعل وسادته الحجر حين ينام لشدة زهده بالدنيا)، وَيَلْبَسُ الْخَشِنَ، وَكَانَ إِدَامُهُ الْجُوعَ (اي كان مديما للجوع بمعنى ان اكله كان نزرا قليلا)، وَسِرَاجُهُ بَاللَّيْلِ الْقَمَرَ، وَظِلاَلُه (اي مسكنه ومأواه) في الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الاْرْضِ وَمَغَارِبَهَا (اي لم يكن له مسكن ثابت في مكان واحد بل كان يتنقل من مكان الى اخر)، وَفَاكِهَتُهُ وَرَيْحَانُهُ مَا تُنْبِتُ الاْرْضُ لِلْبَهَائِمِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ تَفْتِنُهُ، وَلاَ وَلَدٌ يَحْزُنُهُ، وَلاَ مَالٌ يَلْفِتُهُ، وَلاَ طَمَعٌ يُذِلُّهُ، دَابَّتُهُ رِجْلاَهُ، وَخَادِمُهُ يَدَاهُ!

ثم افاض (ع) في الحديث عن صفات رسول الله (ص) قائلا:

فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الاْطْيَبِ الاْطْهَرِ(ص) فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى (اي اقتدى بفعله)، وَعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى، وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ، وَالْمُقْتَصُّ لاِثَرِهِ .

قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً (والقَضْم هو الاكل بأطراف الاسنان، فكأنه لم يتناول من الطعام إلاّ ما وقع على أطراف أسنانه، ولم يملا منها فمه)،

وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً (اي لم يعطي للدنيا بكل ما فيها ادنى اهتمام)،

أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً (والكشح هو المسافة بين الخاصرة والضلع الخلفي بمعنى انه كان قريبا من الهزال في الجسم فلم تكن له سمنة اطلاقا)،

وَأَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْنا (اي ان بطنه كانت لخلوها من الطعام والشحم وكأنها منطبقة من الجوع، وكذلك كان حال امير المؤمنين ع وما قيل عنه بانه الانزع البطين انما كان افتراء امويا لتبرير جشعهم في الاكل واساءة الى امام المتقين)،

عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ، وَحَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ، وَصَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ، (اي ان رسول الله ص كان يتفانى في حب الله ونيل مراضيه ويبتغي رضاه في كل صغيرة وكبيرة حتى من دون امر وتكليف)،

وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلاَّ حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللهُ وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللهُ، لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً للهِ وَمُحَادَّةً (اي ان رسول الله واهل بيته المعصومين كانت قلوبهم ممتلئة بحب الله وطاعته في جميع الامور فكانوا يعظمون ما عظم الله ويكرهون ما يبغض الله ولذا فان مخالفتهم وعصيانهم انما تعني في الحقيقة معاندة لله ومخالفة لأمره)

فهكذا كانت حياة انبياء الله واصفيائه وحججه المعصومين وعلى راسهم رسول الله وسيد انبيائه ورسله فقد كانوا المثل الاعلى لاقتران القول بالعمل

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com