الرجاء الكاذب    34
 

عن امير المؤمنين ع قال في تتمة وصفه لحملة الرجاء الكاذب قال:

[فهو بالقول مدل ومن العمل مقل].

   فهو من القول مكثر اي انه يفوق الاخرين في الوصف والشـرح للأمور السيئة وعواقبها والتحذير منها ووعظ الناس ونصحهم، ولكنه في المقابل قليل المبادرة للأعمال الصالحة التي يدعوا اليها، حتى كأن الحديث مع الناس او الخطب في المساجد والمؤتمرات او اللقاءات مع وسائل الاعلام اصبحت اداة ووسيلة لإبراز الذات واعلاء المكانة والمنزلة الشخصية او الاجتماعية او السياسية فهو ينمقها باختيار الكلمات وحسن التعابير ولطائف التعليقات الا انها احاديث لا يرافقها العمل بخلاف ما دعى الله عباده المؤمنين في كتابه الى عدم الاكتفاء بالقول فقط بل وجوب اقتران القول بالعمل كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ).

   فمن السهل الحديث بالأعمال الصالحة والحث عليها بالكلام الا انه من الصعب العمل بها في الواقع فان ذلك يحتاج الى الارادة والقوة والعزيمة في العمل اضافة الى مجابهة هوى النفس وتزينات الشيطان ولذا فقد بيّن الله كتابه اهمية العمل الصالح وعلى التصدي لهوى النفس مهما كانت المغريات او الصعاب التي تتبع ذلك، ولذا فقد تضمنت كثير من الآيات وصف المؤمنين بالعمل الصالح واوضحت وما يناله المؤمنون العاملون من فضل ورحمة فلكل جزائه الخاص به كما في قوله تعالى:

(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا )
(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ )

   فالعاقبة الحسنة هي نصيب الذين يعملون الصالحات ولم يكتفوا بحسن الحديث كما في الآيات التالية:

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
(الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ )
(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ )

  وهذه الرحمة الالهية لها مصاديق عدة في الدنيا اضافة للأخرة، :

... ومن ذلك ان يوفق الله عباده العاملين لأبواب الهدى والخيرات ليصلوا الى جنان الخلد كما في قوله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ )

... ومنها المغفرة الواسعة للذنوب السابقة او المستجدة كما في قوله تعالى:
(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ )

... ومنها الرزق الكريم بمفاهيمه الواسعة التي تعني المكاسب المادية او الافاضات المعنوية من تحصيل العلم والعافية والامن والسلامة وغير ذلك من العطاءات الالهية كما في قوله تعالى:

(لِّيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ )
(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )

... ومنها ان يوفقهم لما يقربهم الى رضاه وحسن العاقبة كما في قوله تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا )

فالله سبحانه هو الحق الذي لا يظلم احدا ويجزي كل عامل بعمله فقال في كتابه:
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا )
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ )

فالمعيار الحقيقي هو العمل الصالح الذي حدده الله واقسم في كتابه تبيانا لأهميته فقال:
(وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ )،

فكل عنصر الانسان هو في خسران مبين الا من جمع الايمان مع العمل الصالح ثم استقام عليه بتوصية من يتمكن من ايصال الهدى اليه بالثبات على الحق والثبات على الصبر.

اما ما اعده الله في الاخرة من حسن الثواب والجزاء للمؤمنين العاملين فهو ما بينته الآيات التالية:

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا )
(أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )
(إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ .  يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ )

فكل عطاء في الاخرة هو متناسب درجات القرب الالهي وهو نتيجة العمل الصالح وثمرة من ثمراته كما في قوله تعالى:
(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com