الرجاء الكاذب    33
 

عن امير المؤمنين ع في تتمة خطبته عن صفات المتلبسين بالدين وازدواج المعايير في افكارهم واعمالهم قال:

[يصف العبرة ولا يعتبر، ويبالغ في الموعظة ولا يتعظ].

  اي انه يتحدث للناس بالمواعظ ولكنه في نفسه لا يلتزم بما يقول لشدة تأثير الدنيا عليه وانشغاله القلبي بأمورها ومتعلقاتها ولغفلته عن الموت وعن امكانية تعرضه لأمثال هذه المحن والمصائب التي يتحدث بها، فهو يبالغ في الحديث والوصف عن نتائج الاعمال السيئة وما تتركه من اثار دنيوية واخروية ولكن من دون ان يترك ذلك اثرا على قلبه وفعله في حين ان الهدف من الموعظة هو الاتعاظ بها والاستفادة منها.

عن امير المؤمنين قال

[رحم الله عبدا تفكّر واعتبر، فابصر ما قد ابصر، وحضور ما قد حضر].

اي انه يفكر بالوقائع من الاحداث واسبابها واثارها ليستفيد منها العبرة
في عدم تعرضه لمكروه مثله.

وعنه كذلك انه قال:

[ينظر المؤمن الى الدنيا بعين الاعتبار ويقتات منها ببطن الاضطرار].

اي ان تعامله مع الدنيا ينبغي ان يكون معتمدا على العقل والحكمة فهو يعتبر من مجرياتها ولا يسرف في ملذاتها وشهواتها.

وعن امير المؤمنين ع قال:
[الاعتبار يقود الى الرشاد].

حيث شرح ذلك في عدد من الاحاديث المهمة التي توضح اهمية الاعتبار قال فيها:
- [من اعتبر ابصر، ومن ابصر فهم، ومن فهم عمل].

(اي ان الذي يعتبر يكون قد ابصر الواقع ففهم منه الحقائق التي ينبغي ان يتعامل بها التعامل الناجح الذي يسعده في الدنيا والاخرة).

- [افضل العقل الاعتبار واكبر الحمق الاغترار]
اي ان العقل الرصين هو الذي يعتبر من الاحداث والمواعظ، اما من لا تؤثر فيه الموعظة فهو الاحمق المغرور بدنياه.

- [الاعتبار منذر ناصح، من تفكّر اعتبر، ومن اعتبر اعتزل، ومن اعتزل سلم]
اي ان الاعتبار يفيد الانسان في الاعتزال للأسباب التي توقعه فيما وقع فيه الاخرون، كما اوضح (ع) مجالات العبر وأوجه الاستفادة منها فقال:

- [الزمان يريك العبر].
- [كفى مخبرا عن الدنيا ما حضر منها].
- [في تصاريف الدنيا اعتبار].
- [من تبيّنت له الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما كان في الاولين].

اي من استفاد من الحكمة فكأنما عاش تجارب السابقين واجتنب اخطائهم فكل ما يحدث من تغيرات سياسية واجتماعية قديمة او حديثة هي في حقيقتها محل اعتبار للمعتبر والمستفيد منها، ولذلك قد ضرب الامام (ع) مثلا في ذلك فقال:

[وان لكم في القرون السالفة لعبرة، اين العمالقة وابناء العمالقة، اين الفراعنة وابناء الفراعنة، اين اصحاب المدائن الرس الذين قتلوا النبيين واطفئوا سنن المرسلين واحيوا سنن الجبارين؟]

ولذا فقد اكد امير المؤمنين على الاستفادة من العبر فقال:
- [ان الامور اذا اشتبهت اعتبر اخرها بأولها]

اي عند تشابه الامور فان النتائج السابقة تكون عبرة لما يتوقع حدوثه فيمكن للعاقل والمعتبر ان لا يسير في المسارات الخاطئة.

- [المدة {اي مدة العيش في الدنيا} وان طالت قصيرة {فينبغي الاستفادة منها للحياة الاخرة}، والماضي للمقيم عبرة {اي عند التأمل في حياة الماضين الذين غادروا الدنيا الى الاخرة يجد الانسان العبرة في حياتهم فاين اصحاب الاموال؟ واين الزعماء والرؤساء؟ واين الذين تصرفوا في الدنيا بما يحلو لهم؟ وفي المقابل يجد الانسان الفرق في الذين استفادوا من الدنيا للأخرة}، والميت للحي عظة {فالذين قد ماتوا يجد الانسان في موتهم الموعظة والعبرة في فهم الحياة وثمرتها الواقعية].

- [اعتبروا بما صاب الامم المستكبرين من قبلكم من بأس الله وصولاته ووقائعه ومثلاته].

- [انما الدنيا عناء وفناء، وعِبَر وغِيٓر (اي تغير في احوالها )، ... ومن عِبٓرِها انك ترى المغبوط مرحوما {اي يتحول حاله من مغبوط يتمنى بعض الناس ان يكونوا بمثل حاله الى شخص يترحم عليه الاخرين ويتألموا لما اصابه من حال عند نزول البلاء عليه} ليس بينهما الا نعيما زال او بؤس نزل، ومن غِيَرِها (اي تبدلاتها) ان المرء يشرف على امله {اي يوشك ان ينال ما سعى اليه وتمناه} فيقتطعه حضور أجله {اي ان الاجل يسبق اليه فينتقل من عالم الدنيا الى الاخرة}].

ثم قال عليه السلام منبها لعدم الاغترار بالدنيا فقال:
[اعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس اذ احبط عمله الطويل وجهده الجهيد].

ففي كل شيء من الحياة عند التأمل فيها هناك درس وعبرة، ولذا قال امير المؤمنين في شرح هذه الحقيقة عددا من الاحاديث المهمة فقال:

- [من اعتبر الامور وقف على مصداقها {اي على نماذجها وامثالها العملية}].

- [ان من صرحت له العبر بما يديه من المثلات {اي الامثال والنتائج الواقعية} حجزه التقوى عن تقحم الشبهات { اي امتنع عن الخوض في امثالها واشباهها من القضايا}].

- [من اعتبر بعبر الدنيا {اي نتائجها} قلت منه الاطماع {اي زالت عنه بعض اطماعه لمعرفته بما ستنتهي اليه الامور}].

- [لا فكر لمن لا اعتبار له، لا اعتبار لمن لا ازدجار له { بمعنى ينبغي ان يكون التفكر في الامور هو لأجل اخذ العبرة منها ولأجل العمل بها}].

ثم يختم قائلا:
[ما اكثر العبر واقل المعتبرين].

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com