الرجاء الكاذب    2 ‏
 

عن امير المؤمنين ع انه قال في كامل خطبته الرائعة: ‏

«لا تكن ممن يرجوا الآخرة بغير عمل، ويرجي التوبة بطول الامل، يقول في الدنيا بقول الزاهدين ويعمل فيها ‏بعمل الراغبين، إن أعطي منها لم يشبع، وإن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما اوتي، ويبتغي الزيادة فيما ‏بقي، ينهي ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض المذنبين وهو أحدهم، ‏يكره الموت لكثرة ذنوبه، ويقيم على ما يكره الموت له، إن سقم ظل نادما، وإن صحّ أمن لاهيا، يعجب بنفسه ‏إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلى، إن أصابه بلاء دعا مضطرا، وإن ناله رخاء أعرض مغترا، تغلبه نفسه على ما يظن ‏ولا يغلبها على ما يستيقن، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه، ويرجو لنفسه بأكثر من عمله، إن استغنى بطر ‏وفتن، وإن افتقر قنط ووهن، يقصّر إذا عمل، ويبالغ إذا سأل، إن عرضت له شهوة أسلف المعصيـة وسوّف ‏التوبة، وإن عرته محنة انفرج عن شرائط الملة، يصف العبرة ولا يعتبر، ويبالغ في المواعظ ولا يتعظ، فهو ‏بالقول مدلّ، ومن العمل مقلّ، ينافس فيما يفنى ويسامح فيما يبقى، يرى الغنم مغرما، والغرم مغنما، يخشى ‏الموت ولا يبادر الفوت، يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه، ويستكثر من طاعته ما يحقره ‏من طاعة غيره، فهو على الناس طاعن ولنفسه مداهن، اللغو مع الاغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء، ‏يحـكم على غيره لنفسه ولا يحكم عليها لغيره، يرشد غيره ويغوي نفسه، فهو يُطاع ويَعصـي، ويستوفي ولا ‏يوفي، ويخشى الخلق في غير ربه ولا يخشى ربه في خلقه».‏

   في هذه الخطبة البالغة مواعظ للمؤمن فيما ينبغي ان يكون عليه في حياته بين الظاهر والباطن، فان كثيرا من الناس يلبسون لباس التدين والتقوى مع الاخرين فيوعظون ويتحدثون بالصلاح والتقوى الا انهم في حقيقة اعمالهم وواقع سلوكهم يخالفون ما يدعون اليه اضافة الى انه لو تأمل كل منهم في نفسه لوجد انه يعيش بعيدا عن البناء الديني والتخلق بخلق الاسلام والارتقاء الى مراتبه العالية فهو صريع الدنيا وشهواتها ومصالحها بعيد عن الاخرة وقيمها ومراتبها فلو تأمل في حقيقة نفسه لوجد انه يعيش الرجاء الكاذب لله عند احسن حالاته من التدين الذي يتصوره اما لو ابصر حقيقة واقعه لوجد انه يعيش على خطر كبير فيما لو عاجله الموت على هذه الحالة من التدين القشري وهو ما سيتعرض البحث لذكره في الحلقات القادمة بأذن الله.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com