الرجاء الكاذب    29
 

عن امير المؤمنين ع في تتمة خطبته عن صفات حملة الرجاء الكاذب وازدواج المعايير في افكارهم واعمالهم قال:
[وإن عرته محنة انفرج عن شرائط الملة].

اي ان اولئك الذين ظاهرهم التمسك بالدين والالتزام الشكلي بتعاليمه عند تعرض احدهم للمحنة او الابتلاء فان سلوكه وتصـرفه يكون بعيدا عن التمسك بالقيم والاصول الاسلامية المتعارف عليها عند المؤمنين من التوجه لله، والاستعانة به، والالتزام بما امر به من الصبر والاستقامة، والتوسل به لدفع الشدائد والمصائب، فهو يلجأ الى كل الوسائل والاساليب التي تدفع عنه المشاكل بغض النظر عن شرعيّتها وحليّتها وانطباقها مع القيم والاصول الدينية، فالمهم عنده هو التخلص مما اصابه من البلاء فحسب، مما يظهر ضعف ايمانه وتعلقه بالله، في حين ان من يكون مؤمنا بالله حق الايمان يعلم ان الامور كلها مرتبطة بالله وانه لا قادر عليها سواه ولذا فهو يتوجه بكله اليه ولا يرجو غيره مهما كان شأنه ومنزلته.

عن رسول الله ﷺ قال:

[أوحى الله إلى بعض أنبيائه في بعض وحيه {فقال}:
[وعزّتي وجلالي، لأقطعن أمل كل آمل أملّ غيري بالإيباس، ولأكسونّه ثوب المذلّة في الناس، ولأبعدنّه من فرجى وفضلي، أيأمل عبدي في الشدائد غيري والشدائد بيدي؟ ويرجو سواي وأنا الغني الجواد؟ بيدي مفاتيح الابواب وهي مغلقة، وبابي مفتوح لمن دعاني؟ ألم تعلموا أن من دهاه نائبة لم يملك كشفها عنه غيري؟ فمالي أراه يأمله معرضا عني وقد أعطيته بجودي وكرمي ما لم يسألني؟ فأعرض عني ولم يسألني وسأل في نائبته غيري! وأنا الله أبتدئ بالعطية قبل المسألة، أفأسأل فلا أجود؟ كلا، أليس الجود والكرم لي؟ أليس الدنيا والآخرة بيدي؟ فلو أن أهل سبع سماوات وأرضين سألوني جميعا وأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي مثل جناح البعوضة، وكيف ينقص ملك أنا قيّمه؟ فيا بؤسا لمن عصاني ولم يراقبني].

فمن يعلم ان الامور كلها هي بيد الله وخاصة عند الشدائد والمحن ويعتصم بالله وحده فانه سيجد الله له هاديا ومعينا ومغيثا وعاصما من كل بلاء واذى، وهو

ما عبر عنه رسول الله ﷺ بقوله:
[لو أن السموات والارض كانتا رتقا على عبد (اي لو كانت السماوات والارض متصلة حتى كأنها قد خيطت واصبحت قطعة واحدة وحاجزا يحول دون تيسّر امر الانسان) ثم اتقى الله لجعل الله له منهما فرجا ومخرجا].

وهو ما اشار اليه الامام الصادق ع بقوله :
[من اعتصم بالله عزّ وجلّ هُدي، ومن توكّل على الله عزّ وجلّ كُفي، ومن قنع بما رزقه الله عزّ وجلّ أُغني، ومن اتقى الله عزّ وجلّ نجا، فاتقوا الله عباد الله بما استطعتم].

فان الاعتصام بالله يكون مفتاحا للوصول الى كل السبل التي تفتح الخيرات وتزيل العقبات، ولذا قال الامام ع في حديث اخر موضحا:
[أيما مؤمن أَقبلَ قِبلَ ما يَحبُ الله، أقبلَ اللهُ عليه قِبلَ كُلَ ما يحب].

اي تولّاه الله فيما يحب ونقله الى مستوى المؤمنين الصادقين الذين حباهم بتوفيق الطاعة واجتناب المعصية والارتقاء في الدرجات الايمانية سيما فيما يدعوه ويرجو منه، فكلما ارتقى المؤمن في الدرجة الايمانية ارتقت رغباته ودعواته لربه، تماما كالفرق بين طلبات الطفل الصغير والرجل الكبير، فكل يريد من ربه بما يتناسب مع معرفته وشانه.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com