الرجاء الكاذب    23
 

في تتمة الحديث عن امير المؤمنين في صفات حملة الرجاء الكاذب والذي يؤدي الى الحرص وعدم القناعة برزق الله مما يجعل لأنسان اسيرا للحرص والمطالب الدنيوية فقد وردت روايات اخرى تنهى عن الحرص


فعن رسول الله ﷺ قال :
[من أراد أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يد غيره]

وهو ما يعني ان يتوجه الانسان في مسألته وحاجته الى الله فقط ويعرض عن طلب الحاجة من الاخرين لان جميع الامور هي بيده وحده وهو على كل شيء قدير.

ثم يتوسع امير المؤمنين في شرح بعض معاني الغنى فقال ع :
[الغنى بالله أعظم الغنى، الغنى بغير الله أعظم الفقر والشقاء].

فمن كان الله حاضرا في قلبه وعقله وفكره وتوجه اليه في حاجاته المختلفة، فقد نال خير الدنيا والاخرة لأنه لا يوجد في الوجود شيء غير الله سبحانه وكل ما عداه هو بعض من خلقه، فهو الذي بيده الامور كلها واليه المصير، ومن كان يتصور ان الغنى هو بالثروة او القدرة او العناوين الدنيوية المختلفة فقد حاز الفقر والشقاء لان كل ما موجود في الدنيا ينتهي بالموت او ينتهي بانتهائها، اضافة الى امكانية زوال ما عنده في اي لحظة بإرادة الله وقضائه كما قال الله في كتابه: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.

وعن امير المؤمنين ع قال:

[فقر النفس شرّ الفقر].

اي ان النفس الجشعة لن يشبعها شيء ولو ملك الانسان الدنيا كلها، فكلما حصل على شيء انتقلت امانيه واهدافه الى شيء اخر حتى يدركه الموت، ولذا ورد

عن امير المؤمنين ع انه قال:
[إن أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق].

فثروة العقل السليم لا تدانيها اية ثروة اخرى فبه يُعبد الله، وبه يدرك الانسان معنى الدنيا والغرض منها، بل لا قيمة للمال من دون العقل فان الاحمق والسفيه لا ينتفع بالثروة والمال ولذا قال سبحانه ﴿ولا تؤتوا السفهاء اموالكم﴾.
عن امير المؤمنين ع قال:

[من أصبح والآخرة همه استغنى بغير مال، واستأنس بغير أهل، وعزّ بغير عشيرة].
فالغنى الواقعي هو ما يناله الانسان في اخرته وهو الذي يدوم له اما غنى الدنيا فسرعان ما يزول وينتهي، وهو

ما بينه امير المؤمنين بقوله:
[لا تفرح بالغناء والرخاء، ولا تغتم بالفقر والبلاء، فإن الذهب يجرّب بالنار، والمؤمن يجرّب بالبلاء].

فجميع الحالات التي تمر على الانسان هي من موارد الاختبار التي تترتب عليها النتائج الاخروية، بل ان مقادير العباد في الدنيا لا تتم اعتباطا او صدفة وانما هي وفقا لقوانين الله وقضائه وقدره، كما في الحديث

 عن امير المؤمنين ع حيث قال:
[الغنى والفقر بعد العرض على الله].

فالله هو العليم بخلقه وما يصلح لهم من امور الدنيا والاخرة وهو الحكيم في قسمة الرزق لعباده وقد اوضح ذلك في كتابه بقوله:

﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات وَرَحمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجمَعُونَ﴾،

وهي إشارة كذلك الى ان الدرجات الدنيوية هي ليست في الغنى والفقر، وانما في جميع الامور التي تتقوم بها الحياة الدنيا من الصحة والعافية والسلامة الجسدية والقابليات الانسانية بجموعها من الاستعدادات العقلية والنفسية والمواصفات التي اشتملت عليه جينات الانسان الوراثية التي تكسبه خصائص الخلقة فكل ذلك يتم بتقدير الله وبموجب قوانينه الحاكمة في الدنيا والاخرة كما ان الغنى الواقعي هو ما يكسبه الانسان لأخرته، فمن رغب فيما عند الله من نعيم الجنة وخلودها فقد نال افضل الغنى والذي لا يزول بفضل الله ولطفه.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com