الرجاء الكاذب     22
 

عن امير المؤمنين ع في تتمة خطبته عن حملة الرجاء الكاذب وازدواج المعايير في انفسهم قال:

[إن استغنى بطر وفتن، وإن افتقر قنط ووهن].

   اي ان اوسع الله عليه من فضله حسب ان ذلك لكرامته وشأنه او بسبب كبر عقله وعلمه ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلنَاهُ نِعمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعلَمُونَ﴾ فيصيبه البطر والاغترار بالنعمة فلا يصـرفها في مجالاتها المستحبة بل قد يصـرفها في ارتكاب المعاصي والذنوب.

  وان تعرّض للفقر والشدة في المعيشة اصابه اليأس والضعف والوهن والعجز عن مواصلة الاعمال والتغلب على الصعاب، وهو ما يكشف عن عدم التوازن والاستقرار النفسـي في التقييم للأمور، وفي فهم معنى الغنى والفقر واللذان جعلهما الله من موارد الامتحان الالهي كما يتضح في الاحاديث التالية:

عن امير المؤمنين ع قال:     

[لا تعتبروا الرضى والسخط بالمال والولد، جهلا بمواقع الفتنة والاختبار، في موضع الغنى والاقتدار].

أي ان الله لم يجعل الثروة والغنى والقدرة لمن رضي عنه، والفقر والبلاء لمن سخط عليه، فالغني له اختباره بغناه، والفقير له اختباره بفقره، اذ ان كل طرف يخضع للاختبار فيما ألزمه الله به من الطاعة في حالته التي هو عليها، فنوعية البلاء واحدة الا ان شكل البلاء مختلف.

   اما لماذا اختار الله الفقر لاحدهما واختار الغنى للأخر فان ذلك ينسجم مع عدالة الله ورأفته بالعباد بما يتناسب مع تقديره وعطائه لكل فرد في ظرفه ووضعه الخاص به من جهة، وبما يتناسب مع تقديره للسنن التي وضعها للإنسان بحسب تقديره الشامل لخلق الدنيا وما فيها وبهيئتها التي اجرى الامور وفقها حتى قيام الساعة.

عن امير المؤمنين ع قال:

[وقدّر الأرزاق، فكثّرها وقلّلها وقسمها على الضيق والسعة فعدل فيها (اي ان الله جعل الرزق لبعض الناس كثيرا وللبعض الاخر قليلا، بما يتناسب مع مقتضيات العدل الالهي بموجب سننه التي اجراها في الدنيا)، ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها (اي ان اليسـر والعسـر هما من موارد الابتلاء والاختبار)، وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها].

عن امير المؤمنين ع في صفة الأنبياء قال:
[ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم، وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى].

اي ان رسل الله تظهر عليهم حالات الفقر او المحدودية في ملبسهم ومسكنهم ومعيشتهم، ولكن في مقابل ذلك اعطاهم الله الارادة والعزيمة والقوة في الايمان والعمل واغناهم قلبيا بما رزقهم من القناعة والتسليم لأمره.

وهو ما اوضحه رسول الله ﷺ في معنى الغنى والفقر فقال:
[إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب].

وكما بين امير المؤمنين ع والائمة المعصومين من بعده هذا المعنى بعبارات قصيرة ولكنها جامعة كما في الروايات التالية:
عن امير المؤمنين ع قال:
[لا كنز أغنى من القناعة].

كما قال ايضا:

[ الغني من استغنى بالقناعة].

وعن الإمام الباقر ع قال:
[إن أهل التقوى هم الأغنياء، أغناهم القليل من الدنيا، فمؤونتهم يسيرة].

اي ان الغنى الحقيقي هو بحيازة التقوى وليس بجمع الثروة، فما اودعه الله في قلوب المتقين من القناعة جعلهم اغنى الخلق يرضون بالقليل من الدنيا ويعتبروه كثيرا لا يحتاجون معه الى تضييع اوقاتهم في تحصيل امور المعيشة.
عن الإمام الصادق ع قال:
[من قنع بما رزقه الله فهو من أغنى الناس].

لان القانع لا يحتاج الى شيء مع قناعته فيكفيه القليل من الدنيا، اما غير القانع فانه لا يكتفي ولو اعطي كل ما يريد فهو دائما في رغبات وتطلعات دنيوية جديدة لفقدان القناعة او الاكتفاء النفسي بما عنده.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com