الرجاء الكاذب   20
 

عن امير المؤمنين ع في تتمة خطبته عن حملة الرجاء الكاذب وازدواج المعايير في انفسهم قال:

[يخاف على غيره بأدنى من ذنبه، ويرجو لنفسه بأكثر من عمله]

   فهو من جهة حريص على تجنيب الاخرين الذنوب الصغيرة والتحدث عن اضرارها واثارها حيث يراها ذنوبا كبيرة ولكنه في ذات الوقت يرتكب ما هو اكبر منها ويراها ذنوبا صغيرة فيهون على نفسه حسابها عند الله.
كما انه من جهة اخرى يبالغ في توقع الجزاء والمكافأة على اعماله الحسنة في حين انه يستصغر الثواب لمثل هذه الاعمال الصالحة التي تصدر من الاخرين، فأعماله كلها مبرورة ومقبولة ويعظم جزائها، واعمال الاخرين كلها ضعيفة لا اهمية لها وقليلة الثواب او مردودة، فهو يرى لنفسه خصوصية وامتيازا في الثواب والعقاب عن اعمال الاخرين بسبب الغرور والعجب الذي غلب على نفسه غافلا او ناسيا ما ورد في العجب في كتاب الله وفي احاديث المعصومين كما قال الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرضِ وَلَا فَسَادًا وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

وعن امير المؤمنين ع انه قال:
[لا تستكثروا كثير الخير، ولا تستقلّوا قليل الذنوب، فان قليل الذنوب يجتمع حتى يكون كثيرا، وخافوا الله في السـر(اي في خلواتكم) حتى تعطوا من أنفسكم النصف (اي الانصاف)]

اذ ينبغي للمؤمن ان يكون منصفا في حكمه على نفسه وتقييم حقيقتها عندما يشاهد مقدار ما ترتكبه من التقصير والتفريط والآثام فالله لا يخفى عليه شيء، وقد يكون المعنى حتى تنصفوا الناس من انفسكم فترضون منهم ما ترضون لأنفسكم من الاعمال من دون استخدام الازدواجية في المقاييس.

ولو كشف للإنسان الغطاء عن ذنوبه التي يحسبها قليلة لخاف على نفسه في دنياه واخرته.

روي عن الامام الصادق ع انه قال:                                                                               [ان رسول الله (ص) نزل بأرض قرعاء (اي لا نبات ولا شجر فيها)، فقال لأصحابه: «ائتونا بحطب، فقالوا: يا رسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب!
قال: فليأت كل إنسان بما قدر عليه، فجاءوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض
( اي اجتمع الحطب واصبح كثيرا)، فقال رسول الله ﷺ: هكذا تجتمع الذنوب! ثم قال:
إياكم والمحقرات من الذنوب
(اي الذنوب التي تستهينون بها وتعتبروها صغيرة)، فان لكل شيء طالبا، ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين].

ولذا فقد حذر امير المؤمنين مما يعتبره البعض صغار الذنوب فقال ع:
[أشد الذنوب ما استهان به صاحبه].

وقال في حديث اخر:
[الاعجاب يمنع الازدياد]

ثم اوضح اثر الذنوب الصغيرة فقال:
[لا تستصغروا قليل الآثام، فان الصغير يحصـى ويرجع إلى الكبير]

 (اي ان الذنوب الصغيرة عندما تحصـى تكون ذنبا كبيرا وهو ما يكون له دخالة في نزول الهداية والتوفيقات الالهية على الانسان او صرفها عنه وما يتبع ذلك من نتائج دنيوية واخروية )

عن امير المؤمنين ع قال:
[إن الله أخفى أربعة في أربعة:

أخفى رضاه في طاعته فلا تستصغرن شيئا من طاعته، فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم (اي قد يكون في هذا العمل الصغير ظاهرا سببا لفتح ابواب رحمة الله وفضله)،

وأخفى سخطه في معصيته فلا تستصغرن شيئا من معصيته، فربما وافق سخطه وأنت لا تعلم (اي قد يكون هذا الذنب الصغير بنظر مرتكبه سببا في غلق ابواب الرحمة وفتح ابواب العذاب والعقوبة على فاعله)،

وأخفى إجابته في دعوته فلا تستصغرن شيئاً من دعائه، فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم (اي قد يكون في كلمات هذا الدعاء الصغير وهي تصدر من قلب مخلص صادق سببا لهطول غيث رحمة الله وفرجه القريب)،

وأخفى وليه في عباده فلا تستصغرن عبدا من عبيد الله فربما يكون وليه وأنت لا تعلم (اي لا تجعل لظاهر الانسان في شكله وملبسه ومظهره اهمية في تقييم دينه فقد يكون وليا لله لا ترد له دعوة)].

وهو ما بينه رسول الله من ان الاستمرار في ارتكاب الصغائر او الاصرار على فعلها يجعلها من الكبائر التي يدخل الله مرتكبها النار، وان الاستغفار والانابة تمحو السيئات وتدخل فاعلها الجنة.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com