الرجاء الكاذب    1
 

عن امير المؤمنين ع في بيان الرجاء الكاذب لله قال:
 

[يَدَّعِي بِزُعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللهَ، كَذَبَ وَالْعَظِيمِ ! مَا بَالُهُ لاَ يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلَهِ؟]
 

   كثيرا ما يدّعي الانسان رجاءه لله فيما يريد تحقيقه من الآمال الشخصية او الآمال العقائدية كالانتظار للأمام المهدي ع، الا ان لهذا الرجاء شرائط تظهر صدق الراجي عن كذبه، فالمقياس الحقيقي للرجاء هو عمل الانسان والذي يظهر فيه حقيقة كونه من الراجين ام من المدّعين، حيث يضع الامام بعض الموازين الدقيقة لمعرفة الانسان لنفسه او للأخرين في صدق رجائهم لله ام كذب ادعائهم.

يقول ع في تتمة حديثه:
[ما بَالُهُ لاَ يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلَهِ؟ فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ ]
  
اي ان الواقع الفعلي لحال الانسان هو الكاشف عن صدق رجائه ام كذبه، فمن كان له ارض جيدة صالحة للزرع، ثم قام بحرثها واصلاح تربتها وتنظيفها من الاشواك وعوائق الزراعة، ثم زرعها بأحسن البذور الطيبة الصالحة للزراعة، ثم جلس بعد ذلك داعيا لله ومنتظرا رحمته في ارسال غيثه من المطر لينبت النبات بأذنه، كان انتظاره هذا يمثل رجاء صادقا لله لأنه هيأ الامور العملية الممكنة وترك الباقي لله املا برحمته وفضله .
اما من زرع بارض غير صالحة للزراعة، ولم يقم بتنظيفها من الشوك ومن معيقات الزراعة، ثم القى البذور الفاسدة فيها، وجلس ينتظر المطر والثمر، فان رجائه يسمى طيشا وحماقة.

   فلا يصدق الرجاء الا بعد ان يهيئ الانسان الاسباب المتوقعة منه في ايجاد الثمرة ثم ينتظر الباقي من الرحمن الرحيم مراعيا لسننه في خلقه، فان سنن الله هي الحاكمة في الحياة كما في قوله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا، ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)،

    فلابد من تهيئة الاسباب الاولية لنبات الزرع، ولابد للزرع من الكمال في سنن الله، ثم لابد له من الذبول والاصفرار بعد تجاوز مرحلة القوة والكمال، ثم يكون حطاما تذريه الرياح، فهكذا هي سنّته في كل شيء، فلابد للطفولة من البلوغ بعد الصبا، ولابد للشباب من مراحل الشيخوخة والضعف ان دامت له الحياة، ولابد للحياة ان تنتهي لتبدأ بعدها الحياة الاخرة، فكل رجاء خلاف السنن الالهية هو وهم وجهل، ولذا يبين الامام ع بان سعي الانسان لتحقيق منافع الدنيا يجعله يقوم بالأمور اللازمة لإنجازها، اما حينما يتعلق الامر بالتعامل مع الله في امور الاخرة فانه يتعامل معه تعامل الغافل والجاهل، فيقول ع في تتمة حديثه:

[ وَكُلُّ رَجَاء ـ إلاَّ رَجَاءَ اللهِ ـ فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ ] اي مغشوش غير خالص، بمعنى ان الرجاء لتحقيق امال الدنيا هو رجاء مشكوك في تحقيقه كما يريد الانسان، بخلاف الرجاء لله تعالى فان الله على كل شيء قدير ولا يعجزه تحقيق رجاء عبده اذا كان فيه ذلك مصلحة للعبد، ثم يقارن ع حالة الرجاء للدنيا التي يسعى لها الانسان مع علمه بانه قد لا يتمكن من تحقيق اماله فيها، مع حالة الخوف من العقوبات في الدنيا فانه يتعامل معها بحذر وقلق يتجنبها، بخلاف حالة العقوبات في الاخرة والتي هي واقعة لا شك فيها فلا يحذر ولا يعير لها اهمية،

    فيقول ع : وَكُلُّ خَوْف مُحَقَّقٌ (اي ثابت يبعث الانسان على الاهتمام به والبعد عن المخوف والهرب منه)، إِلاَّ خَوْفَ اللهِ فَإِنَّهُ مَعْلُول] اي يحتاج الى العلة او السبب لحدوثه وتأثيره في النفس، فلو حدثت قضية مهمة او حدث اجتماعي او سياسي يقلق الانسان فانه يسعى الى اجتناب ما يخاف منه، الا ان هذا ليس هو المطلوب من المؤمن، وانما المطلوب منه ان يكون خوفه من الله خوفا مستقرا في النفس، فالخوف المؤقت هو خوف سطحي يزيله ادنى شواغل الحياة او لهوها، ولذا يقول عليه السلام مستنكرا لفعل البعض:

[ يَرْجُو اللهَ فِي الْكَبِيرِ، وَيَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ]، اي من يدعي الرجاء لله في الاشياء العظيمة فانه يرجو العباد في الاشياء الصغيرة التي تمثل عرضا من اعراض الدنيا فيرجوا بها غير الله مع ان الله سبحانه بيده جميع الامور من الصغائر والكبائر، الا ان وجه المقارنة التي يشير اليها الامام ان الراجي يعطي العباد كل الاحترام والتقدير والاجلال والطاعة بينما هو لا يعطي الله مثل هذه المنزلة او الطاعة وهو يطلب منه الامور العظيمة، وشتان ما بين الخالق والمخلوق في القدرة والمنزلة! فيقول ع في تتمة حديثه:

[فَيُعْطِي العَبْدَ مَا لاَ يُعْطِي الرَّبَّ! فَمَا بَالُ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِهِ بِعِبَادِهِ؟]

أَتَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً؟ (اي انك لم تصدق في رجائك له)،

أَوْ تَكُونَ لاَ تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً؟ (اي ان الله يعجز عن تحقيق رجائك؟)،

وَكَذلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ (اي كذلك الحال عند الخوف من احد من الناس )،

أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لاَ يُعْطِي رَبَّهُ، فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً (اي يكون مانعا له من
التعرض للأمور التي يخاف منها)،

وَخَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِماراً وَوَعْداً (اي مؤجلا لا ينوي الوفاء به)،

وَكَذلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا في عَيْنِهِ، وَكَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ، آثَرَهَا عَلَى اللهِ (اي قدمها الدنيا وشهواتها على طاعة الله)،

فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا، وَصَارَ عَبْداً لَهَا.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com