الرجاء الكاذب    14
 

عن امير المؤمنين ع في تتمة حديثه عن صاحب الرجاء الكاذب قال:

[يعجب بنفسه إذا عوفي ويقنط إذا ابتلي].

   تقدم الحديث عن بعض صفات من يحمل الرجاء الكاذب من كونه يتأرجح بين الغرور بنفسه عند السلامة والعافية فيطلق العنان لهواه وامانيه ولعبه ولهوه وبين ان يصيبه اليأس والاحباط النفسـي عند الابتلاء والاذى وما يصحب ذلك من انعكاسات نفسية وعملية، وما كان ذلك يحدث لولا غفلته عن الله وانشغاله بالدنيا ناسيا ان الذي منحه العافية قادر على سلبها منه في اي لحظة وخاصة عندما يخرج عن طاعة ربه كما في حديث امير المؤمنين ع بقوله :

[ لا ينبغي للعبد ان يثق بخصلتين العافية والغنى، بينما تراه معافى اذا سقم ، وبينما تراه غنيا اذا افتقر].فالأمور تتبع لإرادة الله وتقديره لأمر خلقه.

ثم يتمم امير المؤمنين في عرض صفات اهل الرجاء الكاذب قائلا:

[إن أصابه بلاء دعا مضطرا].
فهو لا يدعو ولا يسأل الله الا عند الاضطرار والبلاء رغم كثرة الاحاديث التي تدعو الى الدعاء في كل الاحوال والاوقات، في السـراء والضـراء، وفي العافية والبلاء، وفي الامن والخوف، وفي السلامة و المرض، وفي الغنى والفقر، وفي الرخاء والشدة، وفي الليل والنهار، وفي كل الاوقات بلا استثناء لان الانسان محتاج لرحمة ربه وعونه في كل لحظة من عمره ولولا ذلك لانتهى وجوده في الدنيا.

فعن امير المؤمنين ع قال:

[ما المبتلى الذي قد اشتد به البلاء بأحوج إلى الدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء].
ولذا أكد امير المؤمنين ع على المبادرة بالدعاء قبل نزول البلاء فقال :

[ادفعوا أمواج البلاء عنكم بالدعاء قبل ورود البلاء، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لَلبلاء أسرع إلى المؤمن من انحدار السيل من أعلى التلعة إلى أسفلها (التلعة ما على من الارض)]

كما قال ع في حديث اخر:

[ما زالت نعمة ولا نضارة عيش إلا بذنوب اجترحوا إن الله ليس بظلام للعبيد، ولو أنهم استقبلوا ذلك بالدعاء والانابة لم تنزل، ولو أنهم إذا نزلت بهم النقم وزالت عنهم النعم فزعوا إلى الله بصدق من نياتهم ولم يهنوا ولم يسرفوا لأصلح الله لهم كل فاسد، ولرد عليهم كل صالح].

  وهو ما يوضح ان الدنيا وان كانت دار ابتلاء وامتحان لتكون نتائجها هي المعيار والميزان في تحديد اخرة الانسان الا ان الله بفضله ورحمته ومننه على العباد اراد ان ينبههم ببعض العقوبات العاجلة ليلتفتوا الى ما فعلوه من السيئات فيتداركوا حالهم فلا يستمروا على ما هم فيه من الاعمال والحال فان توجهوا الى الله بإخلاص وصدق فان الله سبحانه يصلح لهم كل فاسد ويرد عليهم النعم التي ازالتها الذنوب، بل حتى لو اناب البعض منهم الى ربه واستشعر ما هو عليه من حال سيء فبادر بالدعاء والانابة والعمل الصالح فان الله يشمله برحمته وفضله فيدفع عنه النقم والعقوبات سواء اكانت عقوبات مادية بما يتعرض له من الضرر والاذى في بدنه او ماله او احبته او مما خوله الله من امور الدنيا او عقوبات معنوية بحرمانه من درجات التكامل الاخروي، ولذا فان على المؤمن ان يراقب حاله ونفسه ويتوجه الى الله بكله في ان يوفقه الى طاعته وبلوغ مراضيه كما ورد في الدعاء عن اهل البيت بقولهم:

(اللهم ارزقنا توفيق الطاعة، وبعد المعصية، وصدق النية، وعرفان الحرمة، واكرمنا بالهدى والاستقامة، وسدد السنتنا بالصواب والحكمة، واملا قلوبنا بالعلم والمعرفة، وطهر بطوننا من الحرام والشبهة، واكفف ايدينا عن الظلم والسرقة، واغصص ابصارنا عن الفجور والخيانة، واسدد اسماعنا عن اللغو والغيبة)،

   فان جميع المعاصي تترك اثارها السيئة على الانسان في حجبه عن الانوار الالهية والقرب المعنوي منه وبالتالي يكون اسيرا للشيطان فيغلب على قلبه الرين والخبائث والظلمات حتى يكون من اتباع الشيطان وجنده واقرانه في نار جهنم.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com