الرجاء الكاذب    12
 

في تتمة حديث امير المؤمنين عن الرجاء الكاذب وصفات المتلبسين به قال:

‏[يعجب بنفسه إذا عوفي ويقنط إذا ابتلي]‏.

  من صفات المخدوع بالرجاء الكاذب انه يتأرجح بين الغرور بنفسه عند السلامة والعافية، ويصاب باليأس ‏والاحباط النفسـي عند الابتلاء والاذى، فاذا منّ الله عليه بالعافية اطلق العنان لهواه وامانيه، وحسب ان ذلك انما كان بفضل قدرته كما قال قارون من قبل (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي، أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا)،

   اما اذا ابتلي ببعض المشاكل والمصاعب فانه يصاب بالقنوط واليأس ناسيا ان الذي منحه القوة والعافية قادر على سلبها منه في اي لحظة كما في ‏قول امير المؤمنين ع : ‏

‏ لا ينبغي للعبد ان يثق بخصلتين العافية والغنى، بينما تراه معافى اذا سقم ، وبينما تراه غنيا اذا افتقر]. اي ان المرض او الفقر اللذان هما موردا بلاء للإنسان انما يأتيانه فجأة من دون علم او توقع مسبق ومثلها بقية الامور التي تطرأ على الحياة ليعلم ان ما عنده هو من فضل الله الذي اليه تصير الامور، ولذا فان عليه ان يشكر الله عند النعمة ويصبر عند الشدة، ويبادر الى الاستغفار والتوبة كلما اخطأ او زلّت قدمه عن صراط الله.

فعن الامام الصادق ع قال:

[رحم الله عبدا تاب إلى الله قبل الموت، فإن التوبة مطهرة من دنس الخطيئة، ومنقذة من شفا الهلكة (اي قرب وقوع الهلكة)، فَرٓضَ الله بها على نفسه لعباده الصالحين، فقال: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)] .

وعن رسول الله (ص) قال:

[التائب إذا لم يستبن أثر التوبة فليس بتائب (اي ينبغي ان تظهر على التائب الاثار العملية لتوبته)،

يرضي الخصماء (اي يعيد الحقوق المادية التي غصبت من اهلها)،

ويعيد الصلوات (اي يقضي الصلوات الماضية التي فاتته)،

ويتواضع بين الخلق، ويتقي نفسه عن الشهوات، ويهزل رقبته بصيام النهار، ويصفر لونه بقيام الليل، ويخمص بطنه بقلة الاكل، ويقوس ظهره من مخافة النار(اي من كثر السجود والذكر)،

ويذيب عظامه شوقا إلى الجنة، ويرقّ قلبه من هول مَلٓك الموت، ويجفف جلده على بدنه بتفكر الاجل (اي يصيبه الخوف الشديد من حلول الموت قبل التهيؤ والعدة)،

فهذا أثر التوبة، وإذا رأيتم العبد على هذه الصورة فهو تائب ناصح لنفسه].

وعن رسول الله (ص) في حديث اخر قال:

[أتدرون من التائب ؟ قالوا: اللهم لا، قال: إذا تاب العبد ولم يرض الخصماء فليس بتائب (اي لا يكتفي بالتوبة باللسان من دون المبادرة بالعمل والفعل لإرضاء الذين ظلمهم او اعتدى على حقوقهم)،

ومن تاب ولم يزد في العبادة (اي يحسّن نوعية عبادته في الكم والكيف) فليس بتائب،

ومن تاب ولم يغير لباسه (اي مظهره او سلوكه الخارجي الذي يكشف عن تغير محتواه الفكري والنفسي) فليس بتائب،

ومن تاب ولم يغير رفقاءه (اي من يصاحبهم ويتأثر بهم) فليس بتائب،

ومن تاب ولم يغير مجلسه (اي نوعية اصحابه ورفقائه في مجلسه) فليس بتائب،

ومن تاب ولم يغير فراشه ووسادته (اي وضعه ومسلكه في بيته ومع اهله) فليس بتائب،

ومن تاب ولم يغير خلقه ونيته (اي يكتسب الاخلاق الفاضلة والنية الصادقة في التقرب الى لله بأقواله وافعاله)فليس بتائب،

ومن تاب ولم يفتح قلبه (اي على الدين والطاعة لله)، ولم يوسع كفه (اي يزيد بالبذل في سبيل الله) فليس بتائب،

ومن تاب ولم يقصر أمله، ولم يحفظ لسانه (اي يبتعد عن الحرام فيه)، فليس بتائب،

ومن تاب ولم يقدم فضل قوته بدنه (اي يستعمل بدنه في طاعة الله) فليس بتائب،

وإذا استقام على هذه الخصال فذاك التائب]

عن الامام الباقر ع قال في بيان الاستقامة والتوبة:
[لا والله ما أراد الله من الناس إلا خصلتين: أن يقروا له بالنعم فيزيدهم، وبالذنوب فيغفرها لهم]

وعن امير المؤمنين ع قال:
[ما كان الله ليفتح على عبد باب الشكر ويغلق عنه باب الزيادة، ولا ليفتح على عبد باب الدعاء ويغلق عنه باب الاجابة، ولا ليفتح على عبد باب التوبة ويغلق عنه باب المغفرة].

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com