الصلاة الخاشعة    8
 

معنى الاقامة للصلاة
 

قال الله في كتابه الكريم :
﴿وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحشَرُونَ﴾

   لعلّ ممّا يُلفت النظر كثرة ورود الأمر الإلهي بعنوان إقامة الصلاة، وارتباط الصلاة بجوانب اخرى تشير اليها الايات الكريمة كقوله تعالى:

﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾

   فكثير من الآيات أو أغلبها تؤكّد على إقامة الصلاة وليس على مجرّد طلب أداء الصلاة، فإنّ معنى صلّي، يتضمّن وجوب أدائها بأيّ كيفية كانت، بينما ينصـرف معنى إقامة الصلاة إلى ضرورة تحقيق أهداف الصلاة ومقاصدها، وليس مجرّد إبراء الذمّة في أداء الصلاة، كما في الايات التالية:

﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾

   فالغرض من اقامة الصلاة هي أن تكون وسيلة تربوية تؤثر على سلوك الإنسان الفردي في علاقته بربّه، وفي سلوكه الاجتماعي والذي ينعكس عن ارتباط الصلاة بملازمات تضمنتها الايات بشكل صريح كمثل قوله تعالى:
﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالـمُنكَرِ وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ﴾،

   فهذا الربط الواضح والمتلازم بين الصلاة كعبادة فردية تربي المصلي في علاقته مع الله، وبين الآثار الاجتماعية التي ينبغي أن تتولّد عن الصلاة من زيادة تقوى المصلّي وورعه سواء أكان في الوحدة أو كان مع الناس فيمتنع عن الفحشاء والمنكر وكل ما يبعد عن الله.

    كما يلاحظ ان التعبير (إقامة الصلاة) هو تعبير دقيق يتضمن تحقيق الجوهر لا المظهر وهو ذات التعبير القراني المستعمل في (إقامة الدين) كما في قوله تعالى:

﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾

وكذلك قوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الـمُنْكَرِ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾

    فالغرض من إقامة الدين هو إقامة جوهره وليس مظهره الشكلي، فالمطلوب هو تحقيق أهداف الدين ومقاصده العليا التي يريدها الله سبحانه، وكذلك الحال في اقامة الصلاة.
كما استعمل التعبير (أقيموا) في الكتاب للدلالة على ان المطلوب هو تحقيق الجوهر كما في قوله تعالى:

﴿وَأَقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ وَلَا تُخْسـِرُوا الـمِيزَانَ﴾،

أي إنّ المطلوب هو إقامة العدل والقسطاس وليس المظاهر الشكلية للعدل كالمحاكم الظالمة التي تخضع للمؤثرات السياسية أو المالية.

   كما استعمل هذا التعبير أيضاً في القران عند الحديث عن القضايا الاجتماعية كالزواج والطلاق للتعبير عن البعد الواقعي لهذه القضايا الاجتماعية، وليس البعد الظاهري أو الشكلي لهذه المفاهيم، فالزواج ينبغي أن يحقّق أهدافه الواقعية كاملة وليس المظهر الشكلي للعلاقة الزوجية، ولذا كان أحد موارد السماح بإنهاء العلاقة الزوجية هو عندما تخرج هذه العلاقة عن مسارها الصحيح وتبقى مسألة ظاهرية خالية من محتواها الواقعي لمعنى الزواج كما في قوله تعالى:

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِـمُونَ ﴾

   وبشكل عام نجد كلمة الإقامة مرتبطة بتحقيق الأهداف الفعلية المرجوّة من ورائها كما في الآيات التالية:

﴿أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المُشـْرِكِينَ وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾

   فالمراد من (أقم وجهك للدين) هو التسليم الكامل لأمر الله ونهيه وعدم الخضوع لغير أحكامه وقوانينه من الرجوع إلى الأنظمة العلمانية أو القوانين الوضعية أو الأهواء الشخصية، فلا يصحّ التمسّك ببعض مظاهر الدين أو أداء الصلاة اليومية في المساجد مع الرجوع لغير الله في المعتقدات أو في السلوك أو المظهر ممّا يكون مخالفاً لأُسس الدين كما في قوله تعالى:

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعمَلُونَ﴾،

   وهو ما يستدعي الإهتمام (باقامة) الصلاة اي اعطائها جوهرها وروحها التي اشتملت عليها الايات والروايات باعتبارها المفتاح لكل الخيرات الدنيوية والأخروية.

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com