الصلاة الخاشعة    59
 

"الخشوع في السجود"
 

وعن رسول الله (ص ) قال:
[قال الله عزّ وجلّ: ما أطّلعُ على قلب عبد فأعلم فيه حبّ الإخلاص لطاعتي لوجهي وابتغاء مرضاتي، إِلَّا تولّيت تقويمه وسياسته، ومَن اشتغل في صلاتي بغيري فهو من المستهزئين بنفسه واِسمه مكتوب في ديوان الخاسرين].

   تقدم الحديث عن معنى السجود والتقرب الى الله فيه، وما ينبغي على المصلّي ان يكون في سجوده لله خاشعا له مخاطبا لجلالة شأنه وعظيم منزلته، فحينما يقول الساجد في سجوده: «سبحان ربي الأعلى وبحمده»، فهو لا يقصد العلو في المحل والمكان لله كما قد يظن بعض السذج وكأن الله في السماء او بعيدا عن عبده، وإنّما المراد بالقول هو العلو في المنزلة والشأن والعظمة لله تعالى، فحاشا لله أن يكون في مكان دون مكان، أو أن يحويه مكان أو زمان معين، فمن قال ذلك فهو جاهل بالله لا يعرفه بألوهيته التي عرف بها نفسه، فالله سبحانه حاضر مع خلقه اينما كانوا وكيفما كانوا يلاحظهم ويراهم ويعلم سرائر نفوسهم كما اوضح في كتابه بقوله:

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ).
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ، مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ، وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ، وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا، ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).

   فحاشى لله سبحانه ان يكون له شيء من الابعاد المادية كالطول أو العرض، أو الوزن او الكثافة، أو الحجم والشكل، أو شيء من الصفات المادية التي تحد وجوده وحضوره وهيمنته على الاشياء كلها، فهذه هي صفات المخلوقين من خلقه وليس صفات الخالق العظيم الذي خلق المادة ووضع لها قوانينها وحدودها، فلا يمكن لهذا المخلوق المحدود الفاني ان يتجاوز الحدود التي وضعها الله له وقيده بها فيصل عقله إلى معرفة كنه الخالق العظيم،

   فان العقل له حدوده كما لكل اعضاء البدن حدودها، فهناك حد للسمع وحد للبصر وحد لقوة الأيدي والأرجل وحد للعقل وحد لكل جزء من أجزاء الإنسان والتي هي محكومة بالعجز والفناء، فمهما بلغ الإنسان في سعيه وجهده الفكري فلن يبلغ معرفة كنه الذات الإلهية المقدسة والتي وصف نفسه بها في كتابه فقال: ﴿ليس كمثله شيء﴾،

   وهو ما يستوجب ان يكون الساجد في ذروة الخشوع عندما يسجد لله ويقترب منه معنويا ثم يسبحه ويمجده بما اعطاه الله هذه المنزلة في القرب والرفعة في عبادته، وهو ما يستوجب من الساجد ان يعي معنى قوله: [سبحان ربي الاعلى] والذي يتضمن التنزيه من النقص والعيب وكل صفات المخلوقين، ثم يحمده بعد ذلك بإضافة الحمد اليه ان وفقه لهذا الذكر وهذه المنزلة في القرب منه والتي خصها الله بقوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾، فكلا السجود والتمجيد لله بالقول: (سبحان ربي الاعلى وبحمده)، هو قرب من الله ودنو من عنايته وفضله مما يستوجب من المصلي ان يعطي السجود مكانه ومنزلته في القرب من الله وفي تحصيل افاضاته الربانية،

  وهو ما اشار اليه الحديث النبوي في مقدمة البحث بقوله:

 [قال الله عزّ وجلّ: ما أطّلعُ على قلب عبد فأعلم فيه حبّ الإخلاص لطاعتي لوجهي وابتغاء مرضاتي، إِلَّا تولّيت تقويمه وسياسته (اي، تولى الله هدايته ورعايته)، ومَن اشتغل في صلاتي بغيري فهو من المستهزئين بنفسه واِسمه مكتوب في ديوان الخاسرين].

وهو تأكيد لما مضى ذكره من ضرورة اشتغال القلب بالله اثناء الصلاة قبل اشتغال الجوارح في العبادة .

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com