الصلاة الخاشعة    58
 

"معنى السجود"
 

عن الإمام الرضا ع قال:
[أقرب ما يكون العبد من الله عزّ وجلّ وهو ساجد وذلك قوله تبارك وتعالى:﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾].

  السجود هو تقرّب الى الله سبحانه بالطاعة له والامتثال لأمره بوضع الجبهة التي هي اشرف ما في الانسان على الارض التي يسير عليها بقدميه خضوعا وتذللا لله، حيث عدّ الله ذلك تقربا اليه كما في الآية السابقة من قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾،اذ ان جميع الامور تختفي عن عين المصلي فلا يرى شيئا يشغله عن صلاته فيكون فكره وخضوعه لله سبحانه.

عن الإمام الصادق ع قال:
[ما خسـرَ والله قط مَن أتىٰ بحقيقة السجود ولو كان في العمر مرّة واحدة، وما أفلح مَن خلا بربّه في مثل ذلك الحال غافلاً لاه عمّا أعدّه الله تعالى للساجدين من أنس العاجل وراحة الآجل {أي ان من يسجد لله خاشعا بقلبه متوجها اليه بذكره واعلاء شانه، يهبه الله الانس بذكره وعبادته وانفتاح قلبه لعظمة الله وعلو منزلته ومقامه بالإضافة إلى حسن الثواب في الآخرة ومن غفل عن ذلك فقد خسر من عطاء الله وتوفيقه له}،

ولا بَعُدَ عن الله أبداً من أحسن تقرّبه في السجود {فمن يذكر الله في سجوده خاشعا له معظما لشأنه فانه ينال من الله القرب والرحمة والفضل والكرامة}،

ولا قَرُب إليه أبداً من أَساءَ أَدبَهُ وضيّع حرمته بتعلّق قلبه بسواه في حال سجوده {أي من كان تفكيره وانتباهه بشـيء آخر من أمور الدنيا وهو ساجد فقد اضاع حرمة الله وخسر عظيم ثوابه ومغفرته}،

 فاسجد سجود متواضع لله ذليل، عَلِمَ أنّه خُلِق من تراب يطأه الخلق، وأنّه رُكّب من نطفة يستقذرها كلّ أحد، وكُوِّن ولم يكن،{ وهو ما ينبغي ان يستشعره المصلي وهو ساجد من كرم الله عليه اذ رفعه من حال التراب والحقارة وجعله ممن قرّبه وشرّفه بالسجود لرب العزّة والجلالة}،

وقد جعل الله معنى السجود سبب التقرب إليه بالقلب والسـرّ والروح {أي ان الغرض من السجود هو ان يكون المصلي في حالة من القرب لله عندما يسجد واعيا لمعناه ذاكرا لله بقلبه ولسانه}،

فمَن قرب منه بَعُد عن غيره، {اذ ان هذا القرب من الله انما يعني العناية واللطف منه بعبده بتوفيقه لطاعته وابعاده عن مسالك الشيطان وسبله}،

ألا ترى في الظاهر أنّه لا يستوي حال السجود إِلَّا بالتواري عن جميع الأشياء والاحتجاب عن كل ما تراه العيون؟ كذلك اراد الله امر الباطن، {بمعنى ان امتياز السجود عن غيره من العبادات، هو ان الساجد لا يرى شيئا من الاشياء اثناء سجوده لله، الا ان الله سبحانه يريد من عبده ان يكون فكره وقلبه متوجها اليه خاشعا له اثناء سجوده، فلا يسجد لله ببدنه بينما يكون عقله وقلبه وفكره مشغولا بشيء اخر من مشاغل الدنيا}،

فمَن كان قلبه متعلّقاً في صلاته بشيء دون الله تعالى فهو قريب من ذلك الـشيء، بعيد عن حقيقة ما أراد الله منه في صلاته، قال الله تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، {اي ان المطلوب من المصلّي في حال السجود هو ان يكون حاله من التعظيم لله والخشوع كما هو حاله في الركوع وفي بقية اجزاء الصلاة بالتوجه الى الله في فكره وروحه واعطاء كل جزء من الصلاة معناه الذي اشارت اليه الروايات والآيات التي تضمنها كتاب الله}.

   فالسجود فيه عناية من الله حينما يعطيه المصلي منزلته من الخشوع والاستيعاب لمعنى الذكر كما سيأتي شرحه في الحلقة القادمة

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com