الصلاة الخاشعة   57
 

"القيام بعد الركوع"
 

   يمثل القيام بعد الركوع وذكر الله فيه، دعاء من العبد لربه في ان يتقبل منه ذكره وتعظيمه له في الصلاة عموما وفي الركوع خاصة، حيث ينبغي ان يقول في القيام: (سمع الله لمن حمده)، أي استجاب الله لكل من حمده، أو بمعنى آخر الطلب من الله بالزيادة من فضله وكرمه، فقد وعد الله عباده تفضّلا منه وكرما بزيادة الأجر والفضل لمن ذكره وشكره.

   ففي الحديث عن الإمام الصادق ع عندما قال له أحد أصحابه: جعلت فداك علمني دعاء جامعاً. فقال له الامام:
[اِحمد الله فإنّه لا يبقى أحد يصلّي إلّا دعا لك]،

والمراد بذلك هو انه حين يقول المصلي بعد القيام من الركوع: [ سمع الله لِـمن حِمدَه]، فان هذا القول يمثل دعوة من كل مصلي في ان يستجيب الله دعاء من يحمده من العباد، سواء اكان الحمد في وقت الصلاة او في غيرها من الاوقات، فان عموم الحمد لله فيه جزاء ومغفرة من الله حيث قال الله سبحانه في كتابه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُواْ لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾، كما قال كذلك :﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾، اي ان هناك ذكر من الله لعبده كلما ذكر العبد ربه حيث يفيض الله عليه من لطفه وفضله، 

   كما ان هناك زيادة في الثواب والاجر للشاكرين الله على نعمائه وفضله، فان نعم الله لا تنقطع عن الانسان في كل لحظة ولولاها لما استطاع الانسان ادامة الحياة الا ان الواعين والمنتبهين لهذه الحقيقة هم قلة من الناس ولذا جعل الله لهم ثوابا مضاعفا لمن شكره بقوله: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾، فكلما تحسس العبد نعم الله وشكره على ذلك اعطاه الله زيادة من المثوبة والاجر كما في الرواية عن اهل البيت.

فعن امير المؤمنين ع قال:
[ما أنعم الله على عبد بنعمة فشكرها بقلبه، الا استوجب المزيد فيها قبل ان يُظهر شكرها على لسانه].

وعن الامام الصادق ع قال:
[ما انعم الله على عبد من نعمة فعرفها بقلبه، وحمد الله ظاهرا بلسانه، فتم كلامه حتى يؤمر له بالمزيد].

وعن الامام الباقر ع قال:                                                                                             [لا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العباد].

كما ورد عن الامام زين العابدين في صحيفته المباركة انه قال في دعائه:
[اللهم ان احدا لا يبلغ من شكرك غاية الا حصل عليه من احسانك ما يلزمه شكرك، ولا يبلغ مبلغا من طاعتك وان اجتهد الا كان مقصرا دون استحقاقك، بفضلك]

وفي دعاء اخر قال:
[فكلما قلت لك الشكر، وجب علي ان اقول لك الشكر] لان شكر الله يتبعه زيادة منه لا يستطيع المؤمن من اللحاق بها وايفاء حقها.

    ولذا ينبغي عند القيام من الركوع ملاحظة الانتصاب الكامل للبدن ثم الاتيان بالدعاء او الذكر بالقول: (سَمِعَ اللهُ لِـمَن حَمِدَهُ)، بتأني وبلا عجلة، ثم النزول من بعدها للسجود بخضوع واستكانة، فقد ورد التأكيد على وجوب الاستواء بالإقامة للبدن بعد الركوع وعدم الاستعجال بالذكر لله فيه، حتى جاء في بعض التفاسير لقوله تعالى: (فصل لربك وانحر) اي ان المقصود بالنحر هو اقامة الصلب اي العمود الفقري للظهر والرقبة.

فعن ابي جعفر الباقر ع قال: النحر الاعتدال في القيام، (اي ان يقيم المصلي صلبه باستقامة واطمئنان حين يتلو الذكر).

وعن الصادق ع عن امير المؤمنين ع قال: [من لم يقم صلبه في الصلاة فلا صلاة له].

   فثواب اعمال الصلاة في كل جزء منها يكون متناسبا مع الوعي والاحساس والادراك لما يقوله ويفعله المصلّي، ومن سعادة المصلّي ان تكتسب جميع اجزاء الصلاة الوعي والانتباه خلال العبادة ليكون ثوابه كاملا، فإذا غفل عن بعض الاجزاء فان ذلك يكون خسارة لثوابه منها، فعليه ان يتدارك البقية الباقية من اعمال الصلاة ليحصل على ما تبقى من ثوابها بالإضافة إلى تحصيل ما يناله من النفحات الالهية المرتبطة بالطاعة لله والامتثال لأمره.

وللحديث تتمة

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com